الدكتور عادل عامر
تأثر الاقتصاد المصري بأي غارات أمريكية–إسرائيلية على إيران يعتمد على حجم التصعيد ومدته، لكن بشكل عام يمكن توقع عدة آثار مباشرة وغير مباشرة: أن التداعي الأول كأثر فوري للأحداث ستشهده سوق المال (البورصة) عند افتتاح معاملاتها الصباحية الأحد، متأثراً بالتراجع المتوقع لأسواق المال الخليجية.
بينما كانت مصر تلتقط أنفاسها أخيراً بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية، وتبدأ مؤشرات التعافي في الظهور، جاءت الحرب على إيران لتقطع هذا المسار قبل أن يكتمل، ففي غضون يومين فقط، تبخرت مكاسب ثمانية أشهر للجنيه، وتبدلت حالة التفاؤل الحذر في الأسواق إلى موجة تخارجات وضغوط تمويلية، لتجد الحكومة نفسها أمام اختبار جديد، قبل أن تنتهي تداعيات الأزمات السابقة.
فالاقتصاد الذي كان يعوّل على موسم سياحي قوي في 2026، وتدفقات استثمارية مستقرة، وتحسن تدريجي في سوق الصرف، بدأ يتلقى إشارات تحذيرية مع تراجع سعر صرف الجنيه بنحو 3.8% متجاوزاً 50 جنيهاً للدولار، وسط خروج استثمارات بمليارات الدولارات من أدوات الدين المحلية. وفي البورصة، هبط المؤشر الرئيسي 2% وسط مبيعات مكثفة من المستثمرين الأجانب والعرب. وفقدت الأسهم منذ بداية الحرب نهاية فبراير الماضي، نحو 21.2 مليار جنيه من قيمتها السوقية، لتسجل 3.1 تريليون جنيه، مع تراجع نحو 64% من الأسهم المتداولة والبالغ عددها 216 سهماً. وسجل المستثمرون الأجانب صافي بيع بقيمة 753 مليون جنيه.
أما على مستوى قناة السويس، فقد أوقفت غالبية الشركات المرور عبر القناة وكان آخرهم “ميرسك”.
أولاً: أسعار النفط والطاقة
أي ضربات عسكرية في الخليج غالبًا تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
مصر تستورد جزءًا من احتياجاتها من البترول والغاز، وبالتالي:
زيادة تكلفة دعم الوقود. زيادة عجز الموازنة. ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
احتمال زيادة التضخم.
وإذا تم تهديد مضيق هرمز (الذي يمر منه نحو ثلث تجارة النفط عالميًا) فقد تكون الزيادة في الأسعار كبيرة، وهو أخطر سيناريو على مصر.
ثانياً: قناة السويس
التأثير هنا قد يكون مزدوجًا: إيجابي أحيانًا: ارتفاع أسعار النفط قد يزيد قيمة الشحنات.
سلبي غالبًا: إذا تصاعدت الحرب فقد تتجنب السفن المنطقة، كما حدث سابقًا في أزمات البحر الأحمر.
أي انخفاض في المرور يعني تراجعًا في إيرادات قناة السويس وهي مصدر مهم للعملة الصعبة.
ثالثاً: سعر الدولار في مصر
الأزمات العالمية تدفع المستثمرين للخروج من الأسواق الناشئة.
قد يؤدي ذلك إلى: زيادة الضغط على الجنيه. ارتفاع سعر الدولار. زيادة أسعار السلع المستوردة.
رابعاً: السياحة
السياحة تتأثر سريعًا بالتوترات في الشرق الأوسط. قد يحدث: إلغاء حجوزات. انخفاض عدد السائحين.
تراجع إيرادات السياحة (أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر).
خامساً: التجارة العالمية
اضطراب الشحن البحري يرفع تكلفة الاستيراد. مصر تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها، وبالتالي:
ارتفاع الأسعار. زيادة التضخم. تأثر الصناعة التي تعتمد على خامات مستوردة.
سادساً: الاستثمارات الأجنبية
المستثمرون يميلون للهروب من المناطق غير المستقرة.
قد يحدث:
خروج استثمارات قصيرة الأجل. تأجيل مشروعات جديدة. ارتفاع تكلفة الاقتراض.
سابعاً: احتمالات تأثير إيجابي محدود
في بعض الحالات قد تستفيد مصر من:
زيادة الطلب على الغاز المصري إذا تعطل إنتاج دول أخرى. زيادة أهمية قناة السويس إذا تغيرت مسارات التجارة. ارتفاع تحويلات العاملين بالخليج إذا ارتفعت أسعار النفط.
الخلاصة
أخطر التأثيرات على الاقتصاد المصري ستكون:
ارتفاع أسعار النفط. زيادة سعر الدولار. ارتفاع التضخم. تراجع السياحة.
احتمال انخفاض إيرادات قناة السويس.
أما إذا كانت الضربات محدودة وقصيرة فسيكون التأثير مؤقتًا، لكن إذا تحولت إلى حرب واسعة فسيكون التأثير الاقتصادي على مصر ملموسًا وقويًا.
إذا كنا نتكلم عن الوقت الحالي مع وجود توتر عسكري محتمل في المنطقة (مثل ضربات ضد إيران)، فإن تحليل وضع الدولار في مصر يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية:
حجم التصعيد العسكري وضع الاقتصاد المصري نفسه مصادر دخول الدولار لمصر وفيما يلي تحليل واقعي مبسط:
أولًا: هل الدولار مرشح للارتفاع حاليًا؟ في أوقات التوترات الجيوسياسية غالبًا يكون الاتجاه الطبيعي هو: زيادة الطلب على الدولار عالميًا. خروج بعض الأموال من الأسواق الناشئة. ارتفاع أسعار الطاقة. وهذا عادة يضغط على الجنيه المصري. لكن الارتفاع لا يحدث دائمًا بشكل كبير إلا إذا كانت الأزمة واسعة أو طويلة.
ثانيًا: عوامل قد تدفع الدولار للارتفاع في مصر
إذا تصاعدت الأزمة فقد تؤدي إلى:
1- ارتفاع أسعار النفط يزيد استيراد الوقود. تحتاج مصر دولارات أكثر. ضغط على الجنيه.
2- تراجع السياحة أي توتر في الشرق الأوسط يؤثر على الحجوزات. يقل تدفق الدولار.
3- انخفاض إيرادات قناة السويس إذا تأثرت الملاحة. يقل دخل العملة الصعبة.
4- . خروج استثمارات
المستثمرون يخافون من المخاطر. يحولون أموالهم إلى دولار.
ثالثًا: عوامل قد تمنع ارتفاع الدولار بقوة هناك عوامل توازن الموقف مثل:
1- تحويلات المصريين بالخارج مصدر كبير ومستقر نسبيًا للدولار.
2- الدعم والاستثمارات الخارجية مصر تحصل أحيانًا على دعم في الأزمات.
3- تدخل البنك المركزي
تنظيم السوق. توفير الدولار.
4- صادرات الغاز وبعض السلع قد تزيد إذا ارتفعت الأسعار عالميًا.
رابعًا: السيناريو الأقرب (إذا بقي التصعيد محدودًا)
في حالة الضربات المحدودة فقط: قد يحدث توتر مؤقت. زيادة بسيطة في الدولار. ثم استقرار نسبي. وهذا هو السيناريو الأكثر شيوعًا في الأزمات القصيرة.
خامسًا: السيناريو الأخطر (إذا توسعت الحرب)
إذا حدث: إغلاق مضيق هرمز. تعطل الملاحة. حرب طويلة. فقد يؤدي ذلك إلى: ضغط كبير على الجنيه. ارتفاع الدولار. زيادة التضخم.
سادسًا: المؤشرات التي يجب مراقبتها الآن حركة الملاحة في البحر الأحمر السياحة التوترات عادة تدفع الدولار للارتفاع.
لكن الارتفاع الكبير يحتاج حربًا واسعة أو طويلة. إذا بقي التصعيد محدودًا فالتأثير غالبًا مؤقت.
أخطر عامل على مصر هو تعطيل الملاحة أو ارتفاع النفط بشدة.
في ظل التوترات الحالية واحتمال تصاعد صراع في المنطقة، السؤال: هل الأفضل الاحتفاظ بالمدخرات بالجنيه أم بالدولار؟ يعتمد على درجة الأمان التي تريدها ومدة الادخار. إليك تحليلًا عمليًا يناسب الوضع الحالي في مصر:
أولًا: الاحتفاظ بالجنيه المصري
المزايا: الفائدة البنكية في مصر مرتفعة نسبيًا. يعطي عائدًا ثابتًا (شهادات – ودائع).
مناسب للمصروفات اليومية. لا يوجد مخاطر تقلب سعر الصرف.
العيوب:
إذا ارتفع الدولار تنخفض القوة الشرائية. التضخم قد يقلل قيمة العائد الحقيقي. الأزمات العالمية تضغط عادة على الجنيه.
مناسب إذا: ستستخدم المال قريبًا (خلال أشهر).
تريد عائدًا ثابتًا. لا تريد المخاطرة.
ثانيًا: الاحتفاظ بالدولار
المزايا: يحافظ على القيمة وقت الأزمات. يرتفع غالبًا عند حدوث توترات. يحمي من انخفاض الجنيه. سهل التحويل أو الادخار.
العيوب:
لا يعطي فائدة كبيرة عادة. قد يستقر أو ينخفض أحيانًا. لا يناسب المصروفات اليومية.
مناسب إذا: ادخار طويل نسبيًا.
توقع تقلبات اقتصادية. تريد حماية من التضخم أو انخفاض العملة.
ثالثًا: الأفضل في الوضع الحالي
في الظروف التي فيها توتر إقليمي، غالبًا يكون الحل الأفضل هو التوزيع وليس الاختيار بينهما.
مثال عملي: جزء بالجنيه للاستفادة من الفائدة.
جزء بالدولار للحماية.
رابعًا: التوزيع الآمن (كمثال) كفكرة عامة (تختلف حسب الشخص):
50% جنيه 30% دولار 20% احتياطي أو ذهب (إن أمكن)
هذا يقلل المخاطر إذا:
ارتفع الدولار تستفيد. استقر الجنيه تستفيد من الفائدة.
خامسًا: متى يكون الدولار أفضل؟
يفضل زيادة الدولار إذا حدث: تصعيد عسكري كبير. ارتفاع النفط بشدة. توتر في قناة السويس. ضغط على الجنيه.
سادسًا: متى يكون الجنيه أفضل؟
يفضل الجنيه إذا: استقرار الأوضاع. ثبات سعر الصرف. فائدة مرتفعة. تدفقات دولاريه جيدة.
الخلاصة
في التوترات الحالية: الدولار = أمان الجنيه = عائد الجمع بينهما = توازن
وتشير التوقعات إلى ارتفاع أسعار النفط وتأثر حركة التجارة العالمية مما يرفع من تكلفة الشحن والتأمين على السلع ويقود إلى موجة من ارتفاع الأسعار وبالتالي معدل التضخم.
وتسجل الاحتياطات الأجنبية لمصر مستوى قياسيا يبلغ 52.6 مليار دولار وهو من أهم المؤشرات الاقتصادية التي تعمل على تأمين احتياجات الدولة من السلع الأساسية وقت الأزمات المهمة.
وتستورد مصر بما يعادل متوسط 7 مليارات دولار شهريًا من السلع والمنتجات من الخارج، بإجمالي سنوي يقدر بأكثر من 70 مليار دولار، وبالتالي فإن المتوسط الحالي لـ الاحتياطي من النقد الأجنبي يغطى نحو 7 أشهر من الواردات السلعية لمصر، وهى أعلى من المتوسط العالمي البالغ نحو 3 أشهر من الواردات السلعية لمصر، بما يؤمن احتياجات مصر من السلع الأساسية والاستراتيجية.
قناة السويس ركيزة أساسية للتجارة العالمية، إذ تمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات، لكن البنك المركزي المصري أعلن تراجع إيرادات القناة بنسبة 45.5% في السنة المالية 2025/2024 لتبلغ 3.6 مليارات دولار، مقارنة بـ6.6 مليارات دولار في السنة السابقة، نتيجة للاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر، بعد شن إسرائيل حرب إبادة في قطاع غزة.
ومقارنة مع 8.8 مليارات دولار في 2023/2022، بلغ التراجع نحو 59%. وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الخسائر الشهرية وصلت إلى نحو 800 مليون دولار، فيما قدّرت رويترز خسائر 2024 بنحو 7 مليارات دولار. ومع تصاعد المخاطر في باب المندب، يتزايد الضغط على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر.
نرى أن «الضربات العسكرية حتى الآن، محدودة، في إطار سياسة ليِّ الذراع لدفع إيران إلى القبول بشروط المفاوضين، وهو أمر يُستخدم أحياناً عند تعثر مفاوضات قائمة، ولا يعني انسداد المفاوضات، أو الانتقال إلى حالة الحرب الواسعة».
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










