ذات مرة لم أكتب مقالي اليوميّ الذي اعتدت عليه ، واعتاد قرائي الأفاضل عليه ، فلم ينشغل أحد ، ولم يسأل أحد عن سبب هذا الغياب ، اللهم سوي قلة قليلة مازال لديها بعضاً من أصالة منقرضة !!.
وأنا في الحقيقة لم أغضب ، وإن مَسَّ قلبي حزن شفيف ، لِما آل إليه حالنا من التجاهل !!.
فلم أعد أغضب من إهمال الناس ، ولا من عدم سؤالهم عمَن حضر أو غاب ، أعرف أن الحياة صارت مُختلفة ، والدنيا مُزدحمة ، والانشغالات والأحمال تثقل كاهل الجميع !!.
أصبحت الحياة بمَن حضر ، ومَن غاب غاب !!.
بات الناس يستقبلون أخبار الوفيات كما يستقبلون أخبار حرب روسيا على أوكرانيا ، يمرون عليها مرور السحاب ، لا تأخذ من وقتهم إلا بقدر مايكتبون كلمات التعازي تحت الخبر ، ثم يعبرونه إلى خبر جديد !!.
صارت القاعدة هي عدم التواصل ، حتى بين ذوي الرَحِم والقُربي ، رغم تعدد وسائل الاتصال المجانية بكل أنواعها ، لكنه انعدام الاهتمام ، وتدني مستوى المروءة ، والانغماس في الدنيا ، وادعاء الانشغال !!.
كان والدي الشيخ إذا غاب عن المسجد لصلاة جماعة واحدة ، أوبعض صلاة ، لمرض داهمه أو سفر ، امتلأ بيتنا بالسائلين عنه ، والقلقين عليه ، في حب حقيقي ، وارتباط وجدانيّ مُتجرد برئ !!.
وكانت أمي إذا غابت لظرف طارئ ، تصارعت وتسارعت صويحباتها وجاراتنا على القيام بخدمتنا ، ورعايتنا ، والعمل على قضاء احتياجاتنا ، ولذا لم تكن لي أم واحدة ، وإنما ملكت من الأمهات خمسة ، حظيتُ بنفس الدلال عندهن ، وكُن في نفس المكانة عندي !!.
اليوم لا فرق عند الناس ، إذا حضرت وإذا غبت ، إذا حضرت فأهلا ومرحباً بك ، وإذا غبت يبحثون عن البديل عنك !!.
تفككت أواصر الناس ، وانهارت عُرى تماسكهم ، وصاروا جُزراً معزولة ، لاتهمهم أنت إلا بقدر احتياجهم إليك ، تيك اواي ، علبة سجائر ، تُحفظ في أهم الأماكن ، حتى إذا مافرغت من محتواها ألقيّت في أقرب سلة مهملات !!.
بئس الزمان زمان لا يطمئن فيه الابن على أبويّه ثلاث مرات في اليوم ، مثل الدواء ، ولا يتواصل أخ مع أخته ، ولا صديق مع صديقه ، إلا عند المصلحة المادية وعلى قدرها !!.
ثم تتساءلون فيما بينكم لماذا فقدتم طعم السعادة ، وحَلَّ محلها التوتر والقلق والتشنج والخصام والانتقام ، إجابتي ، أن تتتأملوا مَليّاً ماكتبته الآن عاليه ، بدايةً من العنوان : الحياة بمَن حَضر !!.










