الجسد في العلاقات الإنسانية
ليس مجرد لحمٍ وعظم،
بل هو لغة كاملة تتحدث بدون كلمات.
واللمسة ليست حركة عابرة
كما يتصور البعض،
بل جملة صامتة تُقال بين شخصين.
لذلك
فالسؤال الحقيقي ليس لماذا حدثت اللمسة
، بل لماذا سُمِح لها أن تُقال من الأساس.
فبعض النساء،
في ظل ما يمكن تسميته بعقلية
الأنوثة المُدلَّلة،
لا يتعاملن مع هذه اللحظة
بوصفها حدًا أخلاقيًا واضحًا،
بل بوصفها تجربة نفسية تختبر شعورهن بالوجود والاهتمام.
فالإنسان بطبيعته يشبه المرآة
التي لا ترى نفسها
إلا حين ينعكس فيها وجه آخر.
وبعض النساء يعشن
في حالة بحث دائم
عن هذا الانعكاس.
لذلك قد تتحول
النظرة الطويلة
أو اللمسة العابرة
إلى ما يشبه الضوء
الذي يسقط فجأة على مرآةٍ
خائفة من الظلام.
وهنا يتضح ان المسألة ليست دائمًا رغبة جسدية،
بل حاجة نفسية إلى أن تشعر المرأة
بأنها مرئية ومحل اهتمام.
وكأن اللمسة في هذه الحالة ليست اقترابًا
من الجسد بقدر ما هي إشارة تقول لها
أنتِ موجودة.
ومع مرور الوقت تبدأ الحدود
في التحول من جدران صلبة إلى خطوط مرسومة على الرمل.
ففي اللحظة التي يقترب فيها البحر من الشاطئ تبدو هذه الخطوط ثابتة،
لكنها في الحقيقة هشة أمام أول موجة.
التلامس في كثير من العلاقات
لا يبدأ بكسر صريح،
بل بموجة صغيرة تختبر صلابة الحدود.
فإذا لم تجد مقاومة كافية،
عادت الموجة مرة أخرى،
ثم أخرى،
حتى يختفي الخط تمامًا.
وهكذا تتحول المسافة التي كانت واضحة يومًا إلى منطقة ضبابية لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي.
وفي أحيان أخرى يكون الأمر أشبه بعطشان يقف أمام البحر.
فالعطش العاطفي يجعل أي إشارة اهتمام
تبدو كأنها ماء يروي الروح.
امرأة لم تسمع منذ زمن كلمة تقدير
، أو لم تجد من يرى تعبها
واحتياجها،
قد تتعامل مع اللمسة على أنها شكل من أشكال الاعتراف بوجودها.
لكنها في الحقيقة تشبه ماء البحر؛ يبدو في اللحظة الأولى كأنه سيطفئ العطش،
لكنه غالبًا يزيده.
فالتلامس الذي يولد من فراغ عاطفي لا يملأ هذا الفراغ، بل يوسعه.
ومن هنا تتضح ان المشكلة ليست في اللمسة نفسها،
بل في العقلية التي تتعامل معها.
فحين تتحول الحدود إلى تجربة
قابلة للاختبار،
يصبح الجسد ساحة فضول
أكثر منه مساحة احترام.
بينما الأنوثة الحقيقية لا تحتاج أن تثبت حضورها عبر اقتراب عابر،
لأن قيمتها لا تُقاس بمدى اقتراب الآخرين منها، بل بقدرتها على رسم المسافة
التي تحمي نفسها وتُبقيها ثابتة،
كصخرةٍ لا تغيّرها الأمواج مهما تكررت.
لكن من الضروري أن يظل أمرٌ واحد واضحًا لا يقبل التأويل مفادة ان
التحرش جريمة أخلاقية وقانونية
قبل أن يكون ظاهرة اجتماعية.
فالرجل الذي يلهث خلف جسد امرأة في المواصلات لا يمارس رجولة،
بل يكشف عن فقرٍ داخلي
يشبه الجائع
الذي يسرق من موائد الآخرين
لأنه عاجز عن بناء مائدته الخاصة.
وهنا يتضح ان التحرش ليس شهوة فقط
بل اختلال في الضبط والوعي، وانحدار في معنى الكرامة.
فالإنسان الناضج لا يمد يده إلى ما ليس له،
كما أن الذئب
لا يصبح أقل
افتراسًا لأن الغابة مليئة بالفرائس.
ولهذا فإن المجتمع العادل لا يبرر للمتحرش فعلته،
ولا يخففها بحجج الظروف أو الزحام،
بل يسمي الأشياء بأسمائها
هذا اعتداء
وصاحبه مسؤول عنه كامل المسؤولية.
فالرجل الذي يطارد
أجساد النساء في الطرقات
يشبه صيادًا فقد مهارته،
فبدل أن يصطاد بكرامة،
صار يلتقط الفتات في الظلام.
وبينما تحتاج بعض النساء إلى مراجعة وعيهن وحدودهن،
فإن بعض الرجال يحتاجون قبل ذلك إلى تربية ضميرهم.
لأن المجتمع لا يختل حين تخطئ امرأة فقط،
بل حين يتحول بعض الرجال إلى مطاردين للأجساد،
بدل أن يكونوا حراسًا للحدود.









