أعترف أن لديّ عُقدة أحمد سعيد ، وأحمد سعيد هو المذيع الأشهر الذي كان يتلو بيانات الحرب ونتائجها المضللة إبان نكسة ١٩٦٧ م ، عبر إذاعة صوت العرب ، كنت وقتها صغيراً في مستهل الصف الثالث الاعدادي ، فكنت أصدقه ، كما أصدق كل مايقوله الزعيم ظناً مني أنه لسان حاله ، واكتشفت أن الجميع كان يصدقه ، ولم أكن وحدي بدعاً من ذلك ، حتي استبانت الحقيقة ، وتكشفت علي واقع مرير ، كان أول من كشفه وأعلنه هو الزعيم نفسه ، والذي تحمل مسؤولية نتائجه الكارثية كاملة !!.
وأكبرت الزعيم حين واجه الحقيقة بشجاعة وجسارة ، حتي أنه قال في أحد اجتماعاته مع نفر من المسؤولين : ( من حق هذا الشعب أن يعلق لنا المشانق في ميدان التحرير ) ، ثم حاكم وسجن كل المتسببين في النكسة ، فكانت تلك أولي مقدمات وبشارات نصرنا في حرب أكتوبر المجيدة !!.
ومنذ ذلك اليوم ، كرهت الوهم والواهمين ، وعرفت أن الأمم تُهزم ليس بالقتال والحروب وإنما بعدم مواجهة الواقع كما هو ، دون زيف ، ورأيت ذلك مُحققاً في كل دول الغرب وأمريكا وحتي إسرائيل للأسف الشديد ، فلا أحد يجرؤ هناك علي الكذب علي الشعب ، فهم يغفرون كل شئ ماعدا الكذب ، ولهدا عوقب الرئيس كلينتون ، ليس علي مغامراته الجنسية ، ولكن لأنه كذب علي شعبه !!.
كان لي صديق ، عندما يتسلم شهادات أبنائه من مدرستهم ، فإنه يقوم بتعديل درجاتهم للأعلي ، بزعم خوفه عليهم من عقاب أمهم ، فكنت أعارضه ، وأثمن موقف الأم ؛ فالابن يعيش نشوة الناجح ، بينما هو في الحقيقة راسب !!.
وإذا ما ماتت الأم عندنا ، وسأل عنها طفلها ، نقول له بأنها مسافرة وسوف تعود ، فيعيش الطفل علي أمل كاذب خادع بعودتها ، بينما الأجانب يأخذونه معهم إلي المقابر ، فيري بعينيه كيف تواري الثري ، فينقطع أمله في رجوعها ، ويعيش الواقع علي مرارته وقسوته !!.
واليوم ، الصهاينة احتلوا غزة ، ودمروها وقتلوا وشردوا مئات الآلاف من أهلها ، لكننا مازلنا نلوك أوهام نصر خادع لا وجود له ، إلا في عقليتنا المريضة !!.
الأمريكان والصهاينة دمروا إيران ، وأجهزوا علي قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية ، واغتالوا كل قادتها ، ونحن نردد نفس أوهام النصر المزيف ، والذي نخدع به أنفسنا والناس !!.
ياسادة ، لن ننتصر إلا إذا واجهنا أنفسنا بالحقيقة المُجردة ، وأعددنا عدتنا للمواجهة ، ورغم أنني شاعر أعيش الخيال والأحلام كثيراً ، لكن هناك فرقاً كبيراً بين الخيال والحلم ، وبين الوهم !!.
حتي ننتصر ، علينا ألا نسمح بوجود أحمد سعيد والصحاف والدويري ، وأمثالهم ، من باعة الوهم وتجار الضلال ، ومسوقي الهزائم والانكسارات الماحقة ، علي أنها انتصارات وفتوحات ساحقة !!.










