ماهذا القدر العجيب والأيام العصيبة التي نعيشها .. ياسادة !!.
كنت أقوم من نومي علي صوت أم كلثوم تشدو : ياصباح الخير ياللي معانا ، أو محمد قنديل : ياحلوصبح ياحلو طل ، أو الست فيروز : طلعت يامحلا نورها شمس الشموسة ، أو الحلوة قامت تعجن في الفجرية ، أو نجاح سلام : صبح الصباح محلاه ، اليوم تفتح عينيك حين تفتحها علي : قصفت إيران حقل غاز في قطر ، أو دمرت أمريكا منشآت في جزيرة خرج الإيرانية ، أو غارة مدمرة للطيران الاسرائيلي علي جنوب لبنان أو في قلب بيروت ، أو اغتيال هذا القائد ، أو قتل ذاك السياسي البارز أو الزعيم ، الذي كان منذ ساعات يملأ الدنيا ضجيجاً وتهديداً ووعيداً !!.
كنت أقوم من نومي علي شذي الورد وعبق الريحان ، اليوم أقوم علي رائحة البارود ودخان القنابل وغبار الدمار والهدم !!.
كانت مفرداتي في الكتابة ، زهوراً أقطفها من بستان عامر : الحب .. الحنين .. العشق .. الجمال .. الوفاء.. الطيبة .. الصدق ، وما يشبهها في عنقود الرومانسية الثري ، فإذا بمفرداتي اليوم أشواك وخناجر وحراب : الصواريخ .. المسيرات .. القصف .. الاغتيال .. النار .. الحرائق.. الدمار .. الخراب .. التهجير .. الأشلاء !!.
رأيتني دونما وعيّ مني ، وعلي غير رغبة ، أستبدل بقيس وليلي وعنتر وعبلة وحسن ونعيمة ، أستبدل بهم الشبح والإف ١٦ ، و٣٥ ، والقبة الحديدية ، وترامب ونتنياهو والحرس الثوري والباسيج !!.
أتجول في هذا الفضاء الإلكتروني والشبكة العنكبوتية ، فلا أري حواراً ولا نقاشاً ، وإنما جدال عقيم ، وتبادل لكمات ورفسات ونطحات وركلات ، اتهامات ، واتهامات متبادلة ، فلا أحد يسمع أحد ، ولا أحد يحاول التمعن أو التأمل فيما يقوله الآخر ، ولا أحد يزكي أحد ، وكأنما انتقلت المعارك وتبادل القصف والصواريخ والمسيرات من العالم الواقعي ، إلي فضاء هذا العالم الافتراضي !!.
قولوا لي بالله عليكم ، هل ثمة مواطن في العالم كله ، يعيش هذا الواقع المرعب ، غيرنا ، ينام علي النار ويصحو علي الدمار ، لايسمع غير أصوات الانفجارات ، ولا يري إلا الأشلاء والدماء ، حتي أنني ضبط نفسي وفي عز النوم ، أضرب حافة السرير بقبضة يدي بعنف ؛ فقد توهمت أن أحد الصواريخ يعبر سماء الحجرة ، وأن هناك صاروخاً آخر دخل من الشباك يعترضه ، فأصبح سقف حجرتي ساحة للمعارك ، وكأنهم لم يكتفوا بشاشات التلفزيون التي تنقلها علي الهواء علي مدار الساعة ، كما تنقل مباريات الكرة أو الدورات الأولمبية !!.
وأيقنت أنني توحدت مع الحروب ، من طول العشرة معها ، حتي أصبحت أحد نتائجها ، وأن نفسيتي الحالمة ، استحالت إلي قنبلة موقوتة أو صاروخ انشطاري بعيد المدي ، قابل للانفجار في أية لحظة !!.
تحولت – بفضل معايشة تلك الحروب – من إنسان سوي مسالم رومانسي حالم ، إلي إنسان نزق حانق متوتر ، يغضب لأتفه الأمور ، وأظن أن هناك الكثيرين مثلي ، وربنا يستر علينا !!.










