قصة قصيرة
في ظهيرة خريفية دافئة، كانت خيوط الشمس الناعمة تنهمر بوداعة على خصلات الشعر القصيرة لتلك المرأة الجالسة على المصطبة الخشبية في زاوية منعزلة من أرض المتنزه المعشوشبة.
فيلمع تحت النور المنسكب بياض شعيرات تخاتل اللون البني لصبغة شعرها،وتقاومه لتفضح العقد الخامس لصاحبته التي تمسك بين يديها رواية (السنوات)للروائية الفرنسية آني آرنو، تقرأ المرأة في الكتاب، الكتاب يتحدث عن صور بالأبيض والأسود لمراحل من حياة آرنو ،صور خلدتها عين الكاميرا ،تحوّله آرنو لفيلم صامت ،تقص حكايته بصوتها،صور للحب، للحياة، للحروب، للسنوات التي مرّت وظلّت بقاياها عالقة في الروح.
تقرأ المرأة وتشاهد الصور بعين عقلها،فنبضت في ذاكرتها إحدى الصور (صورها الخاصة)، كصور آرنو، لكنها بالألوان،فرفعت رأسها،وثبّتت نظراتها على شجرة باسقة ممتدّة الأغصان،
ورغم كثافة أوراقها فشلت في منع أشعة الشمس العنيدة من التسلّل من بين انفراجاتها، فيسطع العشب تحت سطوة النور مرّة ،وتغطّيه ظلال الأغصان المتشابكة مرّات ، راحت تنظر،والصورة تنبض داخل رأسها،صورة لفتاة في السابعة عشرة ،ترتدي ثوب البيت الطويل ،أزرق باهت بأزهار بيضاء متناثرة ،شعرها البنّي معقوص كذيل حصان، وجهها الطفولي الشاحب تحوم على صفحته وحشة اللاجئ لأرض غريبة،ويتلألأ في عينيها أمل الغد المجهول.
الفتاة قابعة في سريرها تقرأ في كتاب ،يدخل غرفتها شابّ تفوح منه رائحة قوّات مكافحة الخاطئين في أوكارهم ،ترفع رأسها وتنظر بصمت من قطعوا لسانه ،وأتلفوا حباله الصوتية، فتركوه يصرخ بلا صوت ،يلقي عليها الشاب نظرة احتقار وشكّ.،ثم يتجاوزها متّجها بفرح ضابط مكافحة الجرائم حين يعثر على الدليل .
يفتح دولاب ملابسها المتهالك،يمدّ يده ،يبحث عن شيء ما بجنون ، يمسك به ،يخرجه من مخدعه، يلوح به أمام عينيها كدليل تستحق صاحبته القتل غسلا للعار ،ثم يمزّق وريقاته واحدة تلو الأخرى ،ينثرها أرضاً، يسحقها بقدميه ،محذّرًا يمزج السؤال بالتهديد:
دفترك ملئ بأشعار وقصائد عن الحبّ، لمن تكتبينها؟ لم أكتبها بنفسي،أنا فقط نقلتها من الجريدة ،أنا، أنا،أأأانا فقط أحبّ مايقولون ،احتفظ به لنفسي.
_ها قد مزّقته لك، جرّبي أن تعيدي فعلتك هذه مرّة أخرى وسترين يااا….
تركها ،هبط درجات السلّم بقفزات سريعة،كان قد تأخّر على موعده مع الرقم (٣)، يومه مزدحم ،ثلاث أو أربع حبيبات كلّ يوم ، ووقته ضيّق لايتّسع لكمّية الهرمونات النتنة التي يسبح فيها عقله.
في الطرف البعيد من الصورة،دخلت امرأة متدثّرة بغمامة من السواد، سواد الثياب ،وسواد الأيّام ،سألت بصوت من لا يريد أن يسمع إجابة على سؤاله:
_ مابك ؟؟
_أمّي، لقد مزّقه ،أخي مزّق دفتري، القصائد التي أحبّ، نظراته ألبستني رداءً لم أفكّر فيه يومًا، لست سيئة ،تعلمين ذلك، أنا فقط أهوى القصائد ،أحتفظ بها لنفسي، لنفسي يا أمّي.
توقّف الفيلم ، وثَبتَ على اللقطة الأخيرة،في الصورة،المرأة بثياب كلون الليل تبتعد بصمتِ مَنْ صمّ أذنيه،ولا يريد سماع جواباً على سؤاله.
الصورة تتحوّل إلى الأبيض والأسود ،وتظلّ ثابتة في الذاكرة،لفتاة بثوب طويل ،وشعر بنّي مربوط كذيل حصان ، تحتضن نفسها مقرفصة في السرير، أرضية الغرفة تعجّ بمزق صغيرة لوريقات بيضاء،كحمائم تلفظ آخر أنفاسها،وصوت عابر للزمن، ظّل يهمس، يدور في الفضاء، يدور ويهمس:
(لست سيّئة ،كنت فقط أحتفظ بها لنفسي ،لنفسي ).
من مجموعتي القصصية (ليلة فهمت فيها كل شيء)










