ثمّة وجوهٌ تُشعُّ ببهاءٍ مُوارِب، تتفتّح على محيّاها ابتساماتٌ مصقولة كأنّها صِيغت لتأمين القلوب وإخماد حدسها الفطريّ. يقترب أصحابها بخطابٍ حريريّ النبرة، ينسجون من الألفاظ وشائجَ وُدٍّ مُتقنة، ويعرضون شراكةً يُصوّرونها قدرًا مُبرمًا لا خيارًا عابرًا؛ مشروعًا يتّكئ على وعدٍ مهيبٍ بالتكافؤ، حيث تتعادلُ الأكفّ عرقًا، وتتآلفُ النوايا صفاءً، وتُرفَع الرايات باسم “نحن” التي تُذيب الفواصل وتُسكّن يقظة الحذر.
في مستهلّ الطريق، يتجلّى المشهدُ في صورةِ مثالٍ أخلاقيٍّ مُشتهى؛ خرائطُ تُرسَم بدقّةٍ تُوهم بالكمال، أدوارٌ تُوزَّع بميزانٍ يُقنع بالعدل، وسرديّةٌ مُحكَمة تُشيع في النفس طمأنينةَ الاتفاق، كأنّ الضميرين قد تعاهدا في صمتٍ على صيانة التوازن. غير أنّ الزمن—ذلك الفيلسوف الصامت—يشرع في تقشير الطبقات، فينكشف تحت قشرة الوداعة فنُّ اقتناصٍ مُمنهج، وبراعةٌ في إمالة الكفّة حيث تُقيم المصلحة لا حيث يستقرّ الحق.
رويدًا، تتبدّى ملامح الاختلال: جهدٌ يتكاثف في ضفّةٍ واحدة، وتضحياتٌ تُستنزف من قلبٍ واحد، بينما تُعاد كتابة الوقائع بلغةٍ لبقة تُحسن إخفاء الخلل وتجميله. هناك، يتجلّى الوعي المرير: لم تكن شراكةً بقدر ما كانت وساطةً مُهذّبة؛ جسرًا مُعبّدًا تعبره الطموحات إلى غايةٍ لا يُذكر فيها اسمُ بانيه. وتبلغ المفارقة ذروتها حين يُتقَن تمثيل الضيق، فيُرتدى التحمّل كفضيلةٍ مُعلَنة، وهو في الخفاء حيلةٌ اقتصادية لتقليل الكلفة الذاتية وتعظيم كلفة الآخر.
ثم تحين لحظةُ القطاف؛ فتُمنَح الأوسمةُ لمن أتقن الحكاية لا لمن شيّدها، وتُسنَد الألقابُ لمن أحسن صناعة السرد لا لمن أرسى دعائمه. وما إن يكتمل المشهد حتى ينسحبوا بخفّةٍ تُحاكي برودةَ الاحتراف، كأنّ الوقائع فصلٌ عابر في سيرة انتهازٍ مُتقَن، تاركين خلفهم قلبًا يُقلّب وجعه في صمتٍ مُثقَل، ويسائل ذاته: كيف انقلب صفاء النيّة إلى منفذٍ للخذلان؟
غير أنّ الخسارة، في جوهرها، لا تُقاس بما فُقِد من متاعٍ أو بما صودر من مجد، بل بما انكشف من بنية الوهم؛ إذ يتبيّن أنّ القيم قد تُستعار كأقنعة، وأنّ اللطف قد يُوظَّف كأداة، وأنّ “نحن” قد تُصاغ لتستبطن “أنا” متضخّمة. ومن هذا الانكشاف تتولّد بصيرةٌ أعمق: أنّ الطيبة إن لم تُحَطّ بوعيٍ يقظٍ غدت منفذًا للاستغلال، وأنّ الحذر ليس نقيض النبل، بل حارسُه الرصين.
وهكذا تتدرّب الروح على الإصغاء لارتعاشتها الأولى، وتُحسن الموازنة بين انفتاحٍ يُنمّي الروابط وحدودٍ تُصون الكرامة؛ تمنح بثقةٍ مُستنيرة لا بسذاجةٍ مُستباحة، وتُدرك أنّ الشراكة الحقّة ليست تواطؤ ألفاظٍ على الورق، بل عدالةُ أعباءٍ مُشاهَدة، وصدقُ نوايا لا يحتاج إلى قناع.
الجزائر










