لا استطيع ان انسى ما قاله لي المفكر الكبير عبد الملك عودة رحمه الله في حديث معه على شاطىء الخليج العربي: “ان العربي بتاع زمان انتهى ولم يعد موجودا”!!
الحكاية.. كنت مدعوا والدكتور عبد الملك وعدد من المفكرين-عرب ومسلمين- للمشاركة في تظاهرة ثقافية في الدوحة..اقتربت اكثر من د.عودة وكان الحديث ذو شجون وكان سعيدا جدا بالتقارب والحوار بحسب تعبيره باعتباري وقتها ممثلا لجيل الشباب والوسط..ود.عودة بتعبير الأستاذ الدكتور علي الدين هلال هو صاحب العمادات الثلاثة فقد كان أحد مؤسسى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية منذ بداية التدريس فيها فى سبتمبر 1960وترقى فيها حتى درجة الأستاذية وشغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية وعميد الكلية1980ـــ1981، وعميد كلية الإعلام 1974ــــ1977وعميد معهد البحوث والدراسات الإفريقية 1981.
تحدثنا في امور كثيرة ومن بينها الأوضاع العربية والى اين تسير ..لم تكن الأمور وقتها بدرجة السوء والانفصام الحالية لكنه فاجأني بالقول بان العربي بتاع زمان لم يعد موجودا.. ونشرنا هذا التصريح في الصفحة الأولى بالجمهورية وكان رئيس التحرير وقتها الأستاذ محمد علي إبراهيم رحمه الله.. كلما اتأمل الخريطة والواقع العربي تقفز الى ذهني تلك النبوءة الخطيرة لاحد اعلام الفكر السياسي على مدى عقود..
الحقيقة التي لا مراء فيها ان الفكر القومي العربي حاليا غائب تماما عن الساحة او في غيبوبة والنخب المثقفة على مستوياتها المختلفة متخبطة وليست منقسمة فقط لا تعرف طريقا واضحا وضلت ضلالا مبينا وكانه قد ضربت عليها حالة التيه اليهودي.. وسقطت في هاوية الاستقطابات الحادة بفعل حمى التمويل الأجنبي فيما طفت على السطح القوى الانهزامية وأصبحت الأعلى صوتا وضجيجا ودخلت مؤسسات العمل المشترك كل مراحل البيات الشتوي والصيفي والخريفي وباتت مشلولة غائبة مغيبة بفعل فاعل ليس مجهولا..
الازمة الحقيقية انك لا تستطيع الاجابة عن سؤال جوهري من يتبنى او يرفع راية العمل والفكر القومي الان سواء في المشرق او المغرب او ما بينهما.. رغم اننا عشنا فترات كان النشاط والفكر القومي يشغل الساحة على المستويات كافة الفكرية الثقافية والسياسية وغيرها كانت حركة دائبة..ولا تكاد المؤتمرات تتوقف هنا او هناك كانت الصحف والمجلات والتليفزيونات عامرة بالمعارك الفكرية والجدلية بين التيارات المختلفة من اليمين واليسار على حد سواء ..والكتب والدراسات تصدر في معظم العواصم وتتخطى كل القيود والحواجز الرقابية..والجماهير كانت متحمسة وحركة الشارع تسبق الكثيرين بما يعكس وعيا وحيوية بالقضايا الكبرى والرفض الواضح لاي محاولة للخضوع والخنوع حتى وان حاولوا إقناعه بان الخضوع سياسة فليبد لك منهم خضوع..بتعبير الشاعر الاندلسي الكبير المعتمد بن عباد في قصيدته الشهيرة “لما تماسكت الدموع”والتي يقول فيها:ان يسلب القوم العدا ملكي وتسلمني الجموع فالقلب بين ضلوعه لم تسلم القلب الضلوع..
الجماهير ضائعة مضيعة لا تجد من يثير حماستها ويحرك المياه الراكدة تجاه الوعي القومي..للا سف الشديد الساحة يتصدرها على هذا الصعيد المتردية والنطيحة وما اكل السبع وما ذبح على النصب والازلام.. مجموعة من الناقمين الكارهين لفكرة القومية العربية او الدينية وهم الأعلى صوتا وصخبا بعد ان نجحت القوى الصهيونية في تجنيدهم للترويج لافكارها والقيام باخطر مهمة عجزت عن تنفيذها قوى الاستعمار العالمي والاستحمار المحلي ونشطت خطط واستراتيجيات هدم الثوابت وزعزعة الاستقرار واثارة الفتن من كل نوع دينية وثقافية واجتماعية واخلاقية لتعزيز أفكار ودعوات الانحلال والشذوذ والفوضى في العلاقات بين الفتيان والفتيات وضرب اسس الزواج وقيم الاسرة المسلمة والتواد والتراحم وغيرها..
ورغم ان اوقات الازمات هي الكاشفة والدافعة للبحث عن مخرج مناسب وسريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتاكيد الحاجة الى الفكر القومي والترابط العربي الإسلامي الا ان الصمت المريب هو سيد الموقف تحركات أحادية ودعوات على استحياء في مواجهة أصوات اقل ما توصف به انها فاجرة مارقة خارجة على الاجماع لاتجد حرجا ولا غضاضة في اعلان الولاء للعدو والتعاون معه بل تنعق ليلا ونهارا بان التحالف مع العدو هو المخرج ويحقق المصلحة من وجهة نظرهم البائسة!
ليس هناك خطة واضحة يتبناها الجميع يدا واحدة للتحرك الى الامام وكبح جماح تلك الأصوات الانهزامية والحركات الارتجالية المهددة للمصلحة القومية..
لم نتحرك الى الامام بالقدر المطلوب رغم الإعلان الواضح والصريح من القوى المعادية عن مشروعهم الفكري والسياسي لالتهام المنطقة والسيطرة عليها بالاحتلال لدول بكاملها وأجزاء من أخرى..المشروع الصهيوني معلن وصريح وبطريقة لا تقبل الجدل والتاويل والاعلان عنه تم في كل المحافل الدولية بكل بجاحة ووقاحة.. حتى في أروقة الأمم المتحدة وفي اجتماعاتها الدورية لم يتورع مجرم الحرب المطلوب للعدالة الدولية نتنياهو ان يرفع عقيرته تحت سقف الأمم المتحدة بخريطة الأوهام والاحلام التلمودية المؤسسة لدولة إسرائيل الكبرى.. يزيد الامر قسوة وسوءا ان الإدارة الترامبوية الحالية مجندة لتحقيق تلك الأهداف رغم تعارضها الكامل مع القانون الدولي ومخاطرها على الامن والسلم الدوليين..
ردود الفعل على تلك الغطرسة والبلطجة غير المسبوقة لا تزال حتى الان باهتة ولا ترقى لاي مستوى..حتى عندما تحرك البعض ضد الموقف الأمريكي الداعم والمؤيد بصورة فاضحة عقب تصريحات السفير الصهيوني في تل ابيب مايك هاكابي المؤيد والمطالب بحق إسرائيل في فرض سيطرتها على أجزاء من دول عربية وهي أراضي التي يدعون بشانها وعدا توراتيا منحه الله لابناء إبراهيم عليه السلام! كان اقصى ما حدث ان طلب البعض بيانا وتفسيرا لتصريحات هاكابي .. وانتهى الامر وكان شيئا لم يكن مع ان الخطط الحربية المجرمة تقوم بتنفيذ تلك الأوهام ومحاولة فرضها على الأرض في تحد صارخ لجميع الأعراف والقوانين الدولية وغيرها!!
الخطط الصهيو-امريكية تتصاعد ومعها مخططات الفتنة الكبرى لاشعال الحرائق المدمرة في المنطقة واستعداء الدول العربية على جيرانها لتحقيق الحلم الصهيوني الكبير في السعي نحو احداث اكبر فراغ استراتيجى يوفر الحماية للكيان المصطنع ويقضى على أي امل او حلم بالمقاومة او أي شيء يسبب أي نوع من الازعاج على أي مستوى للكيان..وهو مالا يتحقق الا باسقاط ايران او القضاء عليها وما تملكه من قدرات او دفعها الى الدوران في الفلك الصهيوامريكي باي وسيلة.. وهو ما لن يتحقق باذن الله فدائرة البغي والعدوان ليس لها الا مصير واحد مهما بلغت قوتها وجبروتها فهي الى زوال وهذا من سنن الله في كونه..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










