في خطابٍ حمل نبرة النصر المشوب بالحذر، أطل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن أن الولايات المتحدة باتت “قريبة جدًا” من حسم أهدافها في إيران. لكن خلف هذا التصريح المتفائل، تختبئ قصة مغايرة تماماً، قصة “هبوط اضطراري” لسقف التوقعات الأمريكية التي بدأت في 28 فبراير بوعود نارية وانتهت بتسويات واقعية.
“رياح الواقع” اعادت تشكيل استراتيجية البيت الأبيض، حيث بدأت الحرب بوعيد ترامبي بـ “سحق صناعة الصواريخ الإيرانية بالكامل”، وهي الترسانة التي قدرت بـ 2500 صاروخ باليستي. فعلا نجحت واشنطن في خفض وتيرة الهجمات بنسبة 90%، لكن “الثلث” هو كل ما تأكد تدميره من المخزون. بهذا تحول الهدف من إنهاء التهديد تماماً إلى التعايش مع “قدرة إيرانية محدودة” لكنها ما زالت كافية لإثارة قلق إسرائيل ودول الخليج.
رفع ترامب في البداية شعار “الضمان المطلق” لمنع إيران من دخول النادي النووي، خاصة مع امتلاكها يورانيوم مخصباً بنسبة 60%.. بالفعل الضربات المتلاحقة للمنشآت النووية جعلت تصنيع القنبلة أمراً مستبعداً تقنياً في الوقت الحالي لكن لم يمح التهديد. في نفس الوقت نرى ترامب يبدو انه “غير قلق” بشأن المواد المخزنة في أعماق أصفهان، وهو ما يعد تراجعاً تكتيكياً عن المطالبة بإخلاء إيران من أي أثر نووي.
وبينما نجح الثنائي “ترامب-روبيو” في شل القوات الجوية والبحرية التقليدية الإيرانية (تدمير 150 سفينة)، ظلت “حروب الظل” هي العائق الأكبر. ما زالت طهران قادرة على خنق مضيق هرمز عبر المسيرات والألغام البحرية. و في خطوة تعكس الرغبة في تقليل الانخراط الأمريكي، دعا ترامب دولاً أخرى لتولي تأمين المضيق، مما تسبب في ارتباك أسواق النفط العالمية.
كان من ضمن اهداف ترامب قطع “أذرع إيران” في المنطقة (حزب الله، الحوثيين، وفصائل العراق). لكن على أرض الواقع اشتعلت الجبهة اللبنانية بوضوح، واستمر الحوثيون في تهديد الملاحة الدولية. فما كان من الرئيس ترامب الا تعديل هدف “القضاء على الوكلاء”، ليصبح الهدف الجديد مجرد “تقليص قدرة طهران على دعمهم”.
أيضا في بداية الصراع، راهن ترامب على “انتفاضة شعبية” تطيح بالنظام وتحرر الشعب الإيراني. لكن ما حدث هو غياب المرشد الأعلى السابق عن المشهد، و صعود مجتبى خامنئي ما منح النظام “قبلة حياة” مؤقتة وحافظ على هيكليته. اكتفى البيت الأبيض بالحديث عن أن “تغييراً ما قد حدث”، وهو اعتراف ضمني بأن النظام باقٍ، وإن كان أكثر عزلة وانكساراً.
من مجريات ما جرى يمكننا استخلاص ان إدارة ترامب انتقلت من استراتيجية “الضربة القاضية” التي تستهدف استئصال النفوذ الإيراني من جذوره، إلى استراتيجية “النقاط”، حيث يتم تقليص التهديدات إلى مستويات “مقبولة” مع الاعتراف غير الصريح بصعوبة محو القوة الإيرانية بالكامل من خارطة التأثير الإقليمي.
ما يحدث ليس مجرد تطور في الحرب بل إعادة صياغة مستمرة للأهداف. فمن تدمير كامل إلى إضعاف إلى احتواء. وهنا تكمن الحقيقة الصعبة، كلما طال أمد الحرب.. انخفض سقف التوقعات.










