حسبته ( حلة اتفاق عروسين ) ، وحلة الاتفاق – لمَن لايعرفها – هي تلك الوجبة شديدة الخصوصية التي تعد للعروسين ليلة زفافهما ، حسب العادات المتوارثة ، لمواجهة مايفترض بذله من جهد جهيد ، يتطلب تغذية عالية !!.
كما حسبتها وجبة غداء لرجال يحفرون في ترعة ، أويرصون فلنكات السكة الحديد ، أويحصدون القمح ، فإذا هي ولية أمر من طبقتنا المتوسطة ، تشرح لأمهات التلاميذ كيف تعد لابنها مايسمي ( لانش بوكس نموذجي ) وغير مُكلف ، حسب زعمها ، وما يحتويه مما يفترض أنه وجبة خفيفة تعين المحروس من العين علي تحصيل دروسه طوال اليوم الدراسي ، وتمده بالطاقة الذهنية والسعرات الحرارية !!.
فكانت تلك الوجبة الخفيفة مكونة من : طبقة سميكة من الأرز كفرشة مثل فرشة الخرسانة عند بناء عمارة ، يُرص فوقها سمكتان من البلطي المقلي ، وترشرش حولهما عدة حبات من الجمبري الغارق في الزبدة ، ثم ، وفي إناء ملحق مستقل ثلاث أو أربع أمهات من الكابوربا – ولا أفهم لماذا أمهات بالذات – ومغرفتين من شوربة السيفود أو السيفون لا أذكر جهلاً مني طبعاً ، وإناء للسلاطة ، وثالث للطحينة ، ثم علبة عصير وقطعة شيكولاته ، علي أن تتغير المكونات كل يوم وتتنوع ، لكن مع الحفاط علي الكم والحجم والقيمة !!.
وآه لو حكيت لكم – سادتي – عن أحوالنا نحن زمان ، وكيف أن هذا الطبيب الشهير ، الذي صار ملء السمع والبصر ويشار إليه بالبنان ، كان يأتي إلي المدرسة وفي جيبه بعض صوابع محشي الكرنب ، يختبئ منا أثناء الفسحة حتي يلتهمها وحده ، ضامناً عدم مشاركتنا له ، أو ذاك المهندس الكبير الذي تبوأ موقع القيادة في إحدي الشركات العالمية ، وكان اللانش بوكس الخاص به عبارة عن سندوتش سريس مطلي بالمش !!.
أما حكايتنا مع البيض ، فهي من حكايات ألف ليلة وليلة ؛ فلم نكن نعرف أن البيض يؤكل ، حتي أتانا تلميذ من القاهرة ، يحمل حقيبة خشبية ، علي خلاف مانحمل نحن من أكياس قماش أو بلاستيك ، وفي الفسحة أخرج منها سندوتش ذا رائحة عفنة نفاذة ، اقتربنا منه علي حذر ، سألناه عن محتوي السندوتش هذا ، فأخبرنا بأنه ( بيض مسلوق ) ، يا ألطاف الله ، ياللهول ، وهل يُسلق البيض ، مَبلغ علمنا عنه أنه مجرد ( عُملة ) ، نشتري بها كراسة أو قلم رصاص ، أو نحلق رؤوسنا به ، لكن أن يؤكل ، فتلك إذن من علامات الساعة الصغرى ، فجئنا أمهاتنا عشاء نبكي ، كما فعل أخوة يوسف ، نطلب بيضاً مسلوقاً في السندوتشات ، مثل هذا القاهري الفتنة !!.
وأتساءل : مَن الذي أدخل الناس في تلك المحرقة من نمط الاستهلاك السفيه ، وهل هو في مقدور الأسرة المصرية العادية ، وماعلاقة هذا ( العلف ) بالتعليم وتحصيل العلم ، ثم ، وهو الأهم ، هل هذا ( اللانش بوكس ) ، الذي هو عبارة عن مَطعم مُتنقل ، سوف ينتج لنا تلميذاً ، يُضاهي واحداً من تلاميذ جيلنا ، كان غاية أحلامه أن يتناول البيض مَسلوقاً في رغيف !!.










