الخيانة ليست قرارًا يُتخذ في لحظة، بل كثيرًا ما تكون مسارًا بطيئًا يتشكل في الداخل، حيث تتراكم الهزائم الصغيرة، ويضعف الإحساس بالانتماء، ويكبر الاحساس بالدونية حتى يصبح التخلي عن القضية أقرب إلى النجاة منه إلى الخيانة في نظر صاحبها.
هيام نعواس تظهر نموذجٌ خاص من هذا المسار؛ نموذج الإنسان الذي لا يكتفي بالتخلي عن قضيته، بل يسعى إلى إعادة تعريف نفسه بالكامل بما يرضي “الآخر الأقوى”. فتراه يتحدث بغير لسانه، ليس لأنه لا يجيده، بل لأنه يرى في لغته الأصلية عبئًا، وفي لغة الآخر جسرًا نحو القبول. ليست المسألة لغة هنا، بل موقف نفسي عميق: محاولة دائمة لإثبات الانتماء إلى مركز القوة، حتى ولو كان ذلك على حساب الجذور.
هذا النموذج لا يهاجم فقط ما ينتمي إليه، بل يتجنب نقد الطرف الذي يسعى إلى رضاه، حتى حين يكون النقد صادرًا من داخل ذلك الطرف نفسه. وكأن معياره لم يعد الحقيقة، بل القبول؛ لم يعد يسأل “من المخطئ؟” بل “من الذي أحتاج أن أبدو جيدًا أمامه؟”.
ومع الوقت، تتحول هذه الحالة إلى ما يشبه الاغتراب الكامل؛ إنسان بملامح بيئته، لكن بخطابٍ يُصاغ خارجها، وقيمٍ تُستورد دون مساءلة. لا هو انتمى بالكامل إلى الآخر، ولا بقي وفيًا لذاته، بل عالق في منطقة رمادية، يحاول فيها أن يثبت ما لا يحتاج إلى إثبات أصلًا.
الأخطر من كل ذلك هو التكيّف النفسي. إذ لا يرى صاحب هذا المسار نفسه خائنًا، بل يقنع ذاته بأنه أكثر “واقعية” أو “انفتاحًا”، وأنه ببساطة يواكب العالم. وهنا تكتمل الدائرة: تتحول القناعة إلى مبرر، والموقف إلى وظيفة.










