الرحلة طويلة والطريق موحش وسيارة الرحلات تمخر عباب ظلام دامس الا من لمحات ضوء مرتجفة لسيارات مارقة ذات اليمين وذات الشمال.. الظلام مطبق بحكم الليل وقانون الساعة التاسعة مساء تأبى الظلمة الا ان تلتزم بالقانون وتتحالف مع القانون انتصارا للعتمة..الا ان المسافرين قرروا التحدي والانتصار على الظلام..لا مفر من الغناء بحثا عن شعاع ولحظة مرح تستظل بها الأرواح المنهكة من التعب وتغالب سلطان النوم طلبا لليقظة والافاقة..حتى لا تتوه في سكة شالت من لياليها القمر!
مفاجاة كبيرة وغير متوقعة بعد ان اشعل السائق الليلة بمجموعة من الأغاني المدهشة على الفلاشة..أغاني قديمة رائعة مع أغاني شبابية مشخلعة الا قليلا..لكن المفاجأة الأكبر.. تسجيل لرسائل حراجي القط بصوت الشاعر الكبير الراحل عبدالرحمن الابنودي.. يبدو ان السائق الشاب كان ابنودي الهوي حراجي المشاعر..اذ يحتفظ بعدد كبير من رسائل حراجي القط وقصائد أخرى للابنودي بصوته وخاصة قصيدته الشهيرة يامنة..
صوت الابنودي وانفعالاته انعشت بل زلزلت الجميع تجاوبا وانفعالا مع كل رسالة تبدأ بالجملة المفضلة: الى الجوهرة المصونه / والدره المكنونه/ زوجتنا فاطنه أحمد عبد الغفار/ يوصل ويسلم ليها /في منزلنا الكاين في جبلاية الفار ..
وينهيها : زوجك لاوسطى حراجي ../أسوان
وكانت فاطنة تبدأ رسالتها :زوجي الغالي /لاوسطى حرجاي القط
العامل في السد العالي.. وتحكي الحكاية ..
والحقيقة ليست كالحكايات سواء ما يقوله حراجي او ما ترد به فاطنة من كلمات..كلمات ليست كالكلمات وحروف ليست كاي حروف..نبضات قلوب ملهوفة ومشاعر حارة بالغة الصدق والود تفيض وتنسال من أرواح متقدة متعلقة باهداب الحب الصافي في اعلى درجات السمو والصدق..انفعالات حرى ودموع اوجاع الوجد والشوق والخوف على الحبيب رقراقة..
سكون رهيب مع تدفق انفعالات الابنودي وهو يرسم ببساطة وعبقرية صور وتعبيرات ما يدور في النفس وما يعتلج في الفؤاد لمسات ساحرة تجعل حروف الكلمات تحرك كل وجدان وتثير كل كوامن الاشواق في النفوس المتلهفة للحب والحياة..لذلك لم يكن غريبا حالة الاندماج التام مع الرسائل وانتظار ما سيأتي من احداث وتطورات ماذا قال عما يحدث في الغربة وكيف ردت وانفعلت معه فاطنة وكيف عالجت قسوة الوجع والم الفراق والبعاد وقسوة الحياة وحنين الأولاد وتحمل مشقة الرعاية لهم في غياب الراعي الكبير..كل واحد كان يستعجل ويستدعي عبارة الجوهرة المصونة والدرة المكنونة ويرددها بحب وشغف..وكذا عبارات نهاية الخطاب..
يا الله لا تزال رائحة وروح جوابات حراجي القط ملعلعة متوهجة حتى في زمن الواتس والميل والتليجرام..رسائل وحكايات حراجي وفاطنة لاتزال ايقونة وشمعة يشعلها الجميع في كل المناسبات الوطنية والعالمية في عيد العمال في يوم البريد العالمي في عيد السد العالي فهي اشهر يوميات صادقة وحية عما جري مع الجنود المجهولين الحقيقين في ملحمة بناء السد.. رسائل حراجي وفاطنة نتذكرها بقوة حتى مع حوادث انتحار الستات إياها مع الأزواج والزوجات الملاعين..الزوجة اسمها وكنيتها الدرة المصونة والجوهرة المكنونة وليست بلوجر متمردة حتى على نفسها وفلذات اكبادها.. وراجلها اسمه وكنيته زوجي الغالي الاسطى..مهما كانت سعة او ضيق ذات اليد..لاتزال الرسائل تحمل شفرات اقوى وادق من مبضع جراح عالمي يبحث عن دواء وعلاج للروح نرددها كلما غلبنا الشوق والحنين وهاجمتنا أمواج الضجر والغلب في تربية البنين وحتى عند افتقاد الصديق في وقت الضيق..وفي لحظات القلق بحثا عن مرافئ امنة للأحوال الشخصية!!
نجح الخال الابنودي ان يفعل كل هذا واكثر بعبقريته الشعرية وحضوره الإنساني الطاغي ومشاعره الفياضة التي اطلق لها عنان الصدق والإنسانية ليقدم صورا غاية في السمو والرقي الإنساني..استمرار هذا التفاعل وبكل حيوية يؤكد ان الابنودي حاضر بين الناس ولا تزال له طلعة وطلة ولا يزال له صوت هادر وجاذبية مغناطيس تشد كل ما حوله بتعبير الكاتب الصحفي الكبير الجورنالجي الراحل محمد حسنين هيكل في تقديمه لديوان مربعات..
المدهش تلك الصور البلاغية الرائعة في تصوير الاحاسيس والعواطف والانفعالات الإنسانية بكلمات وتعبيرات منحوتة من الأشياء المحيطة بك معان وصور تراها بسيطة لكن تظهر عبقريتها عندما مسها سحر روح الابنودي.. لم نشهد ابتذالا ولا كلمات خارجة ولا نابية ولا حتى ايماءات او ايحاءات من إياها في التعبير عن حالة الشوق وحتى الضيق والغضب ولا في العتاب وعند انقطاع رسائل الاحباب..سمو ورقي يعانق الأرواح ويأسر القلوب ويخضع عنفوان النفوس ويجعلها تتعلق بما كان وما سيكون..
صوت الابنودي يتدفق وهو يقرأ بصوته ولهجته الصعيدية المحببة والانفعالات والتفاعلات معه مستمرة ..وعلى حين غرة استرقت السمع ..سمعت صوتا هاتفا في السحر..سيدة تهمس في اذن صديقتها: تفتكري هل يوجد الان من يعبر عن حبه بهذا الصدق وهذه الطريقة مثل حراجي وفاطنة وهل مررت بنفس التجربة؟!
هبت فيها وكأنها لمست جرحا غائرا قائلة: “اتنيلي ياموكوسة”..لقد بلغ الخرس الزوجي بيننا الحلم-بضم الحاء واللام- وربما يدخل تأبيدة..احنا فين وحراجي فين!!
يبدو ان الانفعال والتفاعل زاد عن حده فانقلب الى ضده..عكسته همهمات في اخر السيارة واصوات مكلومة وحشرجات مكتومة تقول: كفاية حراجي كدة ..حرام .. شغلوا قران كريم احسن يا جماعة ..ربنا يرحمكم.
فجاة يقطع تلك الاصوات وشلال الابنودي المقتحم لكل شيء.. صرخة واحدة من الشابات..باغتتني بطلب غريب عجيب اذهلني بالفعل نادت بعفوية وخجل انثوي مغلف بالحياء عمو:انا عاوزة واحد يقول لي زي الابنودي ما بيقول لفاطنة!
نظرت في عينيها الحالمتين بصدق وقلت لها اطمئني يا بنيتي سيحدث عندما نبني السد العالي من جديد..ساعتها سيعود مليون حراجي وحراجي ومعهم فاطنة وفاطمة من جديد!
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com









