منذ الثامن والعشرين من فبراير2026 ، شنت إسرائيل والولايات المتحدة حربًا عدوانية على إيران, لكن ما يتجاوز عناوين الأخبار اليومية أعظم شأنًا, وأبعد أثرًا من تفاصيل الضربات والرد عليها, فهذه الحرب تطرح أسئلة استراتيجية وتاريخية وإنسانية عميقة، تمس مستقبل المنطقة، وربما النظام الدولى بأسره.
وبعيدًا عن سيل الأخبار العاجلة, والتحديثات العسكرية المتلاحقة، تكشف هذه الحرب حدود القوة المسلحة، وهشاشة النظام العالمى، والثقل الدائم للجغرافيا والتاريخ في تشكيل مصائر الأمم.
ولفهم هذه الحرب، ينبغي أولًا فهم طبيعة الدولة المستهدفة, فإيران ليست قوة هامشية, يمكن إعادة تشكيلها بقرار خارجي أو إخضاعها بإرادة عابرة, لكنها دولة مؤسسة قاعدية فى محيطها، واسعة الجغرافيا، ممتدة التاريخ، راسخة الثقافة، ذات قدرة عالية على الاحتمال والتكيف.
وعبر التاريخ، لم تنجح قوة أجنبية في بسط سيطرة كاملة على الهضبة الإيرانية, فجبالها الشرقية بقيت عصية على الاختراق، ومجالاتها الشمالية الممتدة نحو بحر قزوين تطرح تحديات بالغة لأى عمل عسكرى واسع، فضلًا عن أن أى محاولة للتمدد البرى هناك قد تستدرج قوى كبرى أخرى إلى قلب المواجهة, فمنذ العصور القديمة إلى يومنا هذا، قاومت تلك الجغرافيا كل مشاريع الإخضاع.
قد تستطيع القوة العسكرية أن تدمر بنية تحتية، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تعيد تشكيل الشرعية، ولا أن تمحو ذاكرة حضارة, ولهذا، فإيران ليست دولة يُنتظر أن تنجو من الحرب فحسب، بل دولة ستظل قادرة على التأثير فى محيطها بعد انقضاء الحرب أيضًا.
وتكشف هذه الحرب كذلك عن سقوط افتراضات استقرت طويلًا بشأن أمن الخليج, فعقود من الاستقرار النسبى قامت على مظلة الضمانات الأمريكية, بدأت تلك الهندسة الأمنية خلال الحرب العراقية الإيرانية فى الثمانينيات، واتسعت بعد حرب الخليج فى التسعينيات، ثم ترسخت أكثر بعد غزو العراق فى مطلع الألفية, أما اليوم، فإن هذا البناء يبدو مهتزًا من أساسه, فالدول التى استضافت قواعد أمريكية، تجد نفسها أكثر انكشافًا من ذى قبل, والمنشآت التى صُممت لتكون أدوات ردع، تحولت إلى أهداف محتملة, بل إن منطق الانتشار العسكرى المتقدم، الذى قُدِّم يومًا باعتباره ضمانًا للأمن، انقلب ليصبح مصدر تهديد.
والواقع أنه لا يمكن بناء منظومة أمن إقليمية مستقرة من دون الاعتراف بهذه الحقيقة, فأى نظام دائم لا بد أن يضم الفاعلين الرئيسيين في الإقليم: إيران، والعراق، وتركيا، ومصر، واليمن، وسوريا، بوصفهم شركاء في الأمن, أما القوى الكبرى، فيمكن أن تكون ضامنة، لكنها لا تستطيع أن تكون راعيا لأمن لا تعيش تبعاته.
وقد يبدو هذا الصراع، للوهلة الأولى، نزاعًا إقليميًا محدودًا, لكن أثره الحقيقى يتجاوز الإقليم بكثير, فالاقتصاد العالمى اليوم شديد الترابط، إلى حد يجعل الاضطراب في نقطة واحدة ينتقل بسرعة إلى بقية النظام, فأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وشبكات المال، كلها مترابطة على نحو يجعل الصدمة الواحدة قادرة على إحداث سلسلة ارتدادات واسعة.
وعلى خلاف عالم النصف الأول من القرن العشرين، حين كانت الاقتصادات أكثر انعزالًا، فإن عالم اليوم يعمل بمنطق الدومينو: إذا اختلّت حلقة، اهتزت حلقات كثيرة بعدها.
لقد أودت الحربان العالميتان الأولى والثانية، وفق تقديرات تاريخية واسعة، بما يقارب 120 مليون إنسان، وأعادتا تشكيل الاقتصاد والسياسة على مستوى العالم, ومع ذلك، فقد جرتا فى عالم أقل ترابطًا بكثير من عالمنا الراهن.
أما اليوم، فإن حربًا في منطقة واحدة قادرة على إبطاء النمو في قارات عدة، ورفع الأسعار، وتهديد الأمن الغذائى، وإشعال توترات سياسية تتجاوز حدود النزاع نفسه, وفي الوقت ذاته، تكشف هذه الحرب تراجعًا مقلقًا عن القواعد القانونية التي وُضعت أصلًا للحد من همجية الحروب ,فالقانون الدولى الإنسانى الحديث، وعلى رأسه اتفاقية جنيف الرابعة، وُلد من رماد الحرب العالمية الثانية, والمفارقة اللافتة أن أشد المدافعين عن القانون الإنسانى الدولى كانوا قادة عسكريين رأوا بأعينهم الكلفة البشرية للحرب الشاملة، فسعوا إلى فرض حدود أخلاقية على استخدام القوة.
وقد لعبت مؤسسات كالصليب الأحمر الدولى دورًا مركزيًا- بدفع من عسكريى الحرب العالمية الثانية- فى تقنين تلك المبادئ، لحماية المدنيين وضبط سلوك المتحاربين, لكن هذا الإرث القانونى والأخلاقى يتعرض اليوم لاختبار قاسٍ, وكأن الأطر التى وُلدت من أكبر مآسى البشرية مهددة بأن تتحول هى نفسها إلى جثث رمزية للسقوط الأخلاقى.
وفي جوهر هذه الحرب، يبرز سؤال أعمق من التفاصيل التي تتواتر عن الجبهات: من يملك القوة؟ ومن يملك الزمن؟ قد تكون الساعة فى يد إسرائيل والولايات المتحدة. فهما قادرتان على تحديد توقيت الضربات، وإيقاع التصعيد، ومشهد التدمير، وسرعة الانتقال من مرحلة إلى أخرى, إلا أن الزمن، بمعناه الأعمق، شيء آخر, فالزمن تصنعه الجغرافيا، ويصوغه العمق التاريخى، وتحمله المجتمعات القادرة على الاحتمال, ومن هذه الزاوية، يبدو الزمن أقرب إلى صفّ إيران.
وفي الوقت نفسه، تؤكد هذه الحرب حقيقة بنيوية أعمق، ألا وهي: ما دامت إسرائيل الصهيونية، القائمة على منطق الإقصاء والتوسع، تحتفظ بموقع الهيمنة في المشهد الإقليمى، فإن فرص السلام العادل والدائم ستظل محدودة, ومع ذلك، فإن بدائل أخرى تظل ممكنة.
- إسرائيل منزوعة الصهيونية، تحتفظ بهويتها اليهودية، لكنها تقوم على مساواة كاملة بين جميع مواطنيها، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الأصل.
- دولتان ذات سيادة، فلسطينية ويهودية، تعيشان جنبًا إلى جنب.
- إطار كونفدرالى يربط الطرفين فى حكم مشترك وأمن متبادل.
فالسلام ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى تحول حقيقى، لا إلى مجرد إدارة للأزمة.
إن الجيل الذي خرج من أهوال الحرب العالمية الثانية سعى إلى تقييد الحرب بالقانون والمؤسسات, ومرة أخرى، كان العسكريون الذين رأوا الدمار بأعينهم أكثر ميلًا إلى ضبط القوة من بعض القيادات السياسية التى لا ترى الجبهات رؤى العين.
ولعل العالم يحتاج اليوم إلى جيل جديد، وخصوصًا داخل المؤسسات العسكرية ذاتها، يعيد التذكير بضرورة التوازن وضبط النفس، حين تبدو بعض القيادات السياسية منفصلة عن التاريخ، وعن القانون، وعن كلفة القرارات التي تتخذها, وإلى أن يحدث ذلك، يبقى العالم مهددًا بتكرار التاريخ، لا بوصفه مأساة فحسب، بل بوصفه كارثة فى عصر أشد ترابطًا وأكثر هشاشة من أى وقت مضى.
أخيرا قد تضع هذه الحرب الساعة فى أيدى الدول الأقوى, لكن الزمن، الذى شكل تاريخا موغلا فى القدم عبر قرون، يبقى، كما كان دائمًا، في يد الشعوب والحضارات التى لا تقتلع جذورها الصواريخ، ولا تمحوها القرارات السياسية.
هذا المقال نشر على TRT World Service باللغة الإنجليزية في 24 مارس الماضى, وترجمه إلى العربية وبعث به الزميل الفاضل الأستاذ يحيى غانم الصحفى بالأهرام.
ثمة ورقة أصيلة غابت عن مفاوضات إسلام أباد, وثمة طرف أصيل لم يحضر على الطاولة, وجذر المشكلة وعمقها هو العلاقات العربية الإيرانية, وإذا حلت تلك المعضلة ستتفكك بقية الأزمات, وإيران تتفاوض نيابة عن لبنان واليمن والعراق كما كانت فى السابق تتفاوض نيابة عن سوريا, والعرب شركاء فى المضيق, ولاحل راسخا من دونهم, والعرب الذين شيدوا نهضة كبيرة اعتمادا على أمن واستقرار, تعرضوا لطعنة فى الظهر, ويسعون لعدم تكرار ذلك, والعرب لم يحضروا, ولم تحضر قضاياهم, وفى المقدمة قضية فلسطين التى تظل محور أزمات المنطقة.










