تُعتبر سياسة حافة الهاوية من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في دراسة السياسات الخارجية للدول، وذلك لما تنطوي عليه من مزيج معقد من الردع والمخاطرة والتصعيد المحسوب تجاه الخِصم. وتعني أن تتبع الدولة سلوكًا يؤدِّي إلى تصعيد الصراعات، ودفع الأزمات في العلاقة مع دولة أخرى إلى أقصى درجات التوتر، بما يقرِّبها من حافة المواجهة العسكرية الشاملة، وذلك بهدف ردع الخِصم وتخويفه وإرغامه على تغيير موقفه وتقديم تنازلات دون الوصول فعليًا إلى الحرب الشاملة.
وقد ارتبطت هذه السياسة باسم وزير الخارجية الأمريكي، جون فوستر دالاس، خلال الفترة 1953-1959 في عهد الرئيس أيزنهاور. ففي فترة الحرب الباردة والمواجهة بين الكتلتين، اعتقد دالاس أن القدرة على “الذهاب إلى حافة الهاوية دون السقوط فيها”، هي السياسة المُثلى في مواجهة موسكو وفي عالم تحكمه معادلة الردع النووي.
وفي الممارسة، لم تقتصر سياسة حافة الهاوية على التهديد باستخدام القوة، وإنما خلق المخاطر وإدارتها بشكلٍ متعمد، بحيث توجد حالة من الغموض الاستراتيجي والبلبلة وعدم اليقين بشأن نوايا الدولة لدى الخِصم، وعن مدى استعداد الدولة التي تمارس هذه السياسة لتحويل تهديداتها إلى واقع وشن الحرب فعليًا. تهدف الدولة إلى إقناع الخِصم بأنها مستعدة لاستخدام ترسانتها المسلحة كاملة وبشكل مكثف، مما يُحدث تدميرًا هائلًا وغير مسبوق، مما يدفع الخِصم لتغيير مواقفه. وهكذا، فإن جوهر هذه السياسة هو المخاطرة القصوى المحسوبة، التي تنبني على تعظيم الضغوط مع الحفاظ على السيطرة وحسن تقدير رد فعل الخِصم، حيث تقترب من حافة الهاوية دون الانزلاق فيها.
وبناء على ذلك، فإن سياسة حافة الهاوية هي سلاح ذو حدين. فهي قد تكون أداة فعَّالة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية دون خوض حرب مكلفة، خاصة عندما تكون مرتبطة بقدرات ردع قوية وحسابات عقلانية دقيقة، تأخذ في اعتبارها العوامل العسكرية والسياسية والنفسية والاجتماعية، وهي أيضًا تتضمن مخاطر جسيمة وإشعال حروب شاملة.
وعندما نطبق سياسة حافة الهاوية على الصراع الدائر بين أمريكا وإيران، يتضح لنا أن البلدين لم يترددا في استخدامها. فمنذ بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، تعاملت إيران بمنطق الندية وقامت بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة ضد إسرائيل وما اعتبرته أهدافًا ومصالح أمريكية في منطقة الخليج. واستخدمت حلفاءها في لبنان والعراق واليمن، وهو ما يعني استخدامها لأداة الحرب غير المباشرة كجزء من سياسة حافة الهاوية.
ومع تصعيد العمليات العسكرية واتساع مجال التدمير، نشط عدد من الدول الإقليمية لوقف إطلاق النار، واجتمعت مصر والسعودية وتركيا وباكستان في مدينة إسلام آباد يوم 14 أبريل، وتلاه اجتماع آخر لممثلي وزارات خارجية الدول الأربع.
استخدم ترامب مزيجًا من التهديدات الخشنة التي وصلت إلى حد الإشارة إلى أن “حضارة كاملة ستموت الليلة” وتدمير الجسور ومحطات الكهرباء من ناحية، وإعلان تفضيله للحلول الدبلوماسية والدعوة إلى استئناف المفاوضات من ناحية أخرى. ومن جانبها، ردت إيران بالمثل وأنه إذا دُمرت بنيتها التحتية فإن التدمير سوف يصل إلى الجميع في الخليج، وأنه إذا ضربت أمريكا محطات الكهرباء فيها وتوقف عملها فإن الكهرباء سوف تنقطع في كل دول الخليج أيضًا.
ظهرت الندية أيضًا في تعامل الطرفين تجاه مضيق هرمز، فإزاء تعطيل إيران حرية الملاحة في المضيق والسماح فقط لسفن الدول الصديقة وغير المعادية لها بالمرور، وجَّه ترامب تهديدات عنيفة، وقام بفرض حصار بحري على كل الموانئ الإيرانية، وذلك لخنقها اقتصاديًا.
قام الطرفان أيضًا بالعديد من المناورات الدبلوماسية. فعندما كانت الأمور تصل إلى حافة الهاوية، تراجع ترامب وأعلن عن مهل زمنية لإيران لكي تغير موقفها، وشمل ذلك مهل 48 ساعة، وعشرة أيام، وأسبوعين. وقَبِل وساطة باكستان واتصل هو شخصيًا بوزير دفاعها عاصم منير ووافق على الاقتراح الباكستاني بتهدئة مرحلية، تشمل وقف إطلاق النار مؤقتًا لمدة أسبوعين، يتم فيها المفاوضات بين البلدين لوضع أسس اتفاق سياسي شامل.
وبالفعل تمت الجولة الأولى من المفاوضات، وقاد الوفد الأمريكي جي بي فانس نائب الرئيس والوفد الإيراني علي باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى (البرلمان) والتي استمرت لمدة يومين ولم يتم الوصول إلى اتفاق.
وعندما تحدد موعد الجولة الثانية للمفاوضات بين البلدين في إسلام آباد في 21 أبريل، وأعلنت واشنطن عن موعد سفر الوفد الأمريكي بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، أعلنت إيران أنها لم تقرر بعد عما إذا كانت سوف تشارك في هذه الجولة أم لا، وأنها ما زالت تدرس الأمر بشكل إيجابي بشرط وجود بادرة إيجابية من أمريكا. وكان رد فعل ترامب هو الإعلان عن مهلة مفتوحة لحين تغيير طهران لموقفها. وربط ذلك بتهديد في 22 أبريل، حيث صرح بأنه لا يمكن التوصل لاتفاق إلا إذا تم “تدمير بقية البلاد، بما في ذلك قيادتها”.
المواجهة العسكرية-الدبلوماسية القائمة الآن هي حلقة من صراع بين إيران وكل من أمريكا وإسرائيل استمر لأكثر من أربعة عقود، وإن اتسم في عامي 2025 و2026 بالتصعيد والمواجهة العسكرية المباشرة في يونيو 2025، ومارس-أبريل 2026. ورغم كل ما يبدو على السطح من ضجيج وإثارة، فقد قام الطرفان بإدارة التصعيد العسكري بشكل لا يقود إلى حرب شاملة، فاشتمل على عناصر التصعيد التدريجي، والغموض الاستراتيجي، والمخاطرة المحسوبة، وبحيث يحقق كل طرف بعض المكاسب، وفي هذه الحالة تنتهي العمليات العسكرية بإعلان كل أطرافها الانتصار، وأن كل منها حقق جزءًا من أهدافه.
ورغم ما تقدم، ينبغي الإشارة إلى أن سياسة حافة الهاوية هي لعبة خطرة، فهناك إمكانية الانزلاق غير المقصود نحو الهاوية، خصوصًا في بيئة إقليمية معقدة يتعدد فيها الفاعلون وتختلف أهدافهم ومراميهم، مما يجعل كل الاحتمالات واردة.










