في افتتاح الدورة الثالثة من مهرجان المونودام، جاءت مسرحية حياة بوصفها تجربة مسرحية ذات أبعاد إنسانية وجمالية عميقة، حملت توقيع الكاتب د. سامي الجمعان، وأخرجها برؤية فنية واعية ومتمكنة المخرج معز العاشوري، فيما جسدت بطولتها الفنانة المتألقة نادرة التومي بإنتاج من Mad Prod.
منذ اللحظة الأولى للعرض، بدا واضحًا أن العمل لا يراهن على الحكاية فقط، بل على بناء حالة شعورية وفكرية متكاملة، حيث استطاع النص أن يشتغل على أسئلة الإنسان في مواجهة الحياة، والخذلان، والبحث عن المعنى، بلغة مسرحية مكثفة تنفتح على التأويل. وقد امتلك النص قدرة عالية على خلق التوتر الدرامي دون الوقوع في المباشرة، وهو ما منح العرض بعدًا فلسفيًا وإنسانيًا عميقًا.
أما على مستوى الرؤية الإخراجية، فقد قدم المخرج معز العاشوري اشتغالًا بصريًا وجماليًا متوازنًا، قائمًا على اقتصاد العلامة المسرحية وتكثيف الصورة الدرامية. اعتمد الإخراج على إدارة واعية للإيقاع المسرحي، فجاءت الانتقالات سلسة ومشحونة بالدلالة، بينما لعبت الإضاءة والفضاء السينوغرافي دورًا مهمًا في تعميق الحالة النفسية للشخصية. لقد بدا العرض وكأنه لوحة متحركة تتنفس بالضوء والصمت والانفعال، وهو ما يعكس نضجًا إخراجيًا لافتًا وقدرة على تطويع أدوات المسرح لخدمة المعنى.
غير أن العنصر الأكثر إدهاشًا في العرض كان الأداء الاستثنائي للفنانة نادرة التومي، التي استطاعت أن تخطف انتباه الجمهور منذ ظهورها الأول على الخشبة. فقدمت أداءً عالي الحساسية، متوازنًا بين الانفعال الداخلي والسيطرة التقنية، متنقلة بين الحالات النفسية المختلفة بمرونة وصدق كبيرين. لقد امتلكت حضورًا طاغيًا جعل الخشبة تتحول إلى فضاء نابض بالحياة، فكانت بحق “فراشة الخشبة” التي حلقت بثقة واقتدار داخل تفاصيل الشخصية، لتؤكد مكانتها كواحدة من أبرز الأصوات المسرحية النسائية في المشهد التونسي المعاصر.
تميز أداؤها بقدرتها على توظيف الجسد والصوت والصمت كعناصر تعبيرية متكاملة، وهو ما منح الشخصية عمقًا إنسانيًا مؤثرًا. كما أن تفاعل الجمهور الكبير مع العرض يعكس حجم التأثير الذي أحدثته، حيث نجحت في خلق حالة من الاندماج العاطفي والفكري بين المتلقي والعمل المسرحي.
إن مسرحية “حياة” لم تكن مجرد عرض افتتاحي، بل كانت إعلانًا حقيقيًا عن انطلاقة فنية قوية للدورة الثالثة من المهرجان، وعملًا يؤكد أن المسرح ما يزال قادرًا على مساءلة الإنسان وإعادة اكتشافه عبر لغة الفن والجمال. فكل التحية لفريق العمل، ولكل من آمن بأن المسرح فعل حياة، وليس مجرد عرض عابر.











