فى الوقت الذى تروج فيه الدبلوماسية الدولية لسياسة ضبط النفس وتثبيت دعائم التهدئة فى قطاع غزة كشف تقرير حديث لصحيفة هارتس العبرية عن فجوة عميقة بين ماتتعهد به الحكومة الاسرائيلية خلف الابواب المغلقة فى واشنطن وبين ماينفذه سلاح الجو على ارض الواقع
لقد اصبح المشهد فى غزة يدار بعقليتين متنافضتين عقلية سياسية تسوق للتهدئة فى المحافل الدولية وعقلية عسكرية تفرض أمرا واقعا بالحديد والنار ضاربة عرض الحائط بكل التفاهمات.
كشف التقرير أن اسرائيل لم تلتزم بإتفاقها مع الادارة الامريكية بشأن وقف االغارات الجوية خلف مايعرف بـ ” الخط الاصفر” هذا الخط الذى بات يمثل الحدود الميدانية الفعلية لمناطق سيطرة جيش الاحتلال الاسرائيلى داخل القطاع كان من المفترض أن يكون سياجا أمنيا يفصل بين القوات المنمركزة وبين المناطق المدنية التى لايتواجد فيها الجيش
الاتفاق مع واشنطن كان واضحا ” لا غارات جوية خلف الخط الاصفر ” إلا ان رصد حركة الطيران الجوى والعمليات الميدانية حلال الاسابيع الماضية يثبت ان هذه الاستثناءات اصبحت هى القاعدة وان التعهدات الصهيونية لم تكن سوى مناورة لامتصاص الضغوط الدولية
لا يبدو ان الخط الاصفر مجرد علامات على الخريطة فقد تحول الى مشروع هندسى وعسكرى متكامل يسعى لفرض واقع جغرافى جديد يتجلى فى
- عسكرية القطاع : وجود 32 موقعا عسكريا ثابتا وعوائق ارضية تمتد لعدة كيلومترات
- تأكل المساحات: السعى لفرض ” منطقة عازلة” تقنطع مساحة واسعة من عمق القطاع وتغير ديموغرافية المنطقة ويحليها الى كانتونات معزولة تحت رحمة المراقبة والتدخل العسكرى المباشر .
استمرار الغارات خلف هذا الخط يبعث برسالة مزدوجة فهو يطمئن الداخل الاسرائيلى بأن الجيش الاسرائيلى لا يزال يمتلك حرية العمل الكاملة دون قيود وفى الوقت ذاته يضع مصداقية الضغوط الامريكية على المحك هذا الخرق المستمر لا يعطل مسار التهدئة فحسب بل يعمق أزمة الثقة بين تل ابيب وواشنطن ويظهر البيت الابيض فى مظهر العاجز عن لجم تصعيد حليفة الاكبر
بين الخط الاصفر المرسوم على الخرائط والدخان الاسود المتصاعد من الغارات خلفه يظل المدنيون فى غزة هم وحدهم من يدفعون الثمن أن الإصرار على تجاهل التفاهمات يحول التهدئة الهشة الى مجرد”استراحة محارب ” ويضع المنطقة بأكملها أمام سيناريوهات مفتوحة حيت تظل الأرض تتحدث بلغة النار بينما تظل الاوراق الدبلوماسية حبيسة الاوراق .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










