عندما نتناول الحديث عن الطابع القبلي في الحوار، فأعني ذلك الأسلوب في التحاور الذي يستخدمه عدد ليس بالقليل من ذوي الطابع القبلي، لا يستطيعون إلا أن يكرهوا وربما يمقتوا معتنقي الأفكار المخالفة لهم.
فمن لم يكن يردد مانردد، ويؤمن بما نؤمن، ويرفع الشعارات التي نرفعها؛ فهو حتمًا وبالبداهة والضرورة عدوٍ مبين.
لكن المهم هنا هو تلك التضاربات الحادة في الآراء التي يعتنقها البعض من ذوي الطابع القبلي والتي تصل إلى حد المعارضة لأجل المعارضة بما يفقد الحوار مصداقيته فيما حوله من آراء الآخر.
وفي ظل لعبة التوازنات التي يمارسها الكثيرون من ذوي الطابع القبلي تحقيقًا لمصالحهم الخاصة الضيقة تبلغ حالة عدم التوافق الفكري مع الآخر مستويات هائلة إلى المدى الذي نتوقع فيه من هذه النوعية تغيير آرائهم عند أول مناسبة اجتماعية أو سياسية تستدعي هذا التغيير.
وتقود حالة عدم التوافق الفكري والثقافي في الحوار إلى أن يصبح ذوي الطابع القبلي سلطة قمعية أمام أقرانه، فيما يقوله من آراء في أية مناسبة، ويصبح رأيهُ مقرونًا بالقبول والموافقة وعدم الاعتراض، وتخلق هذه النوعية قدرًا كبيرًا من الاهتراء في السياق الفكري والثقافي من حيث أنَّ سلوكهم ينقل المخالفين لهم في الرأي من الاندهاش والرفض إلى القبول والانصياع.
وخطورة هذا الأمر أنه يصبح نموذجًا يحتذيه الكثيرون وبشكلٍ خاص الأجيال الجديدة التي لا تجد لها إلا التوافق الفكري مع القبلي الذي يحقق لهم الكثير من المكاسب المختلفة، وإن ارتبط في بعض الأحيان ببعض المتاعب الأخلاقية.
فعدم التوافق الفكري لا يرتبط فقط بكل ما يرضي الآخر، ففي بعض الأحيان ترتبط تلك الحالة ببعض ما يغضب الآخر ويثير حفيظته، وهو ما يؤدي فيما بعد إلى العودة مرة أخرى إلى ما يرتبط برضاء الآخر وعطاياه.
لا يعني ذلك أن حالة عدم التوافق الفكري ترتبط فقط بالآخر وبهيمنته، وبرضاه أو غضبه، لكنها حالة أعمق من ذلك بكثير، ترتبط بصاحب الطابع القبلي ذاته، الذي لا يعي تمامًا مسؤولياته وأدواره الاجتماعية المنوطة به في المجتمع.
وتلعب بنية الطابع القبلي في الحوار دورًا محوريًا في الكثير من المجتمعات الثقافية على كافة الأصعدة المختلفة، وهو الأمر الذي يستدعي توصيف وفهم وتحليل عناصر هذه البنية والتأثيرات المختلفة المصاحبة لها.
وخلاصة القول:
إلى صاحب الرأي من ذوي الطابع القبلي، إذا كنت تنقد كل شيء من حولك لمجرد النقد دون أن تنتقد، سيتعلم الآخر سريعًا تجنبك.. علمًا بأنَّ الواقع الذي نعيشه اليوم وغدًا ليس له ثوابت، فما نعرفه اليوم ليس مقدس ويمكن نقده وتحسينه.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.










