قبل أيام، تلقيت فاتورة من شركة الاتصالات بمبلغ مهول. في البداية ظننت أن هناك خطأ تقنيًا أو عملية احتيال أو ربما أن أحدهم استخدم خطي لإدارة حرب إلكترونية في مكان ما من العالم. تواصلت مع المركز الرئيسي للشركة، وبعد انتظار طويل بين “اضغط واحد” و”اضغط اثنين” ، جاءني الرد بكل هدوء: “ عميلنا العزيز لقد استهلكت حجما كبيرا من البيانات”
في تلك اللحظة أدركت أنني كنت ضحية مؤامرة كونية. كيف سمحت لنفسي أن أعيش كل هذه السنوات تحت رحمة شركات الاتصالات؟ كيف قبلت أن أدفع المال لمجرد أن أتحدث مع الناس أو أرسل الملفات أو أحضر الاجتماعات أو أتواصل مع العالم خلال ثوانٍ؟ أي عبودية رقمية هذه؟
وبعد تفكير عميق، قررت اتخاذ موقف تاريخي شجاع: مقاطعة شركات الاتصالات نهائيًا وإيجاد “نظام بديل”.
ولم أتوقف عند ذلك فقط، بل قررت أيضًا مقاطعة شركات تصنيع الهواتف المحمولة، فقد اتضح لي أنها ليست سوى مافيات عالمية تتاجر بحاجتنا للتواصل، وتبتز البشر عاطفيًا وماديًا، وتجعل الإنسان يدفع كل شهر مقابل دقائق من ” الهواء”.
ولأن وعيي بالمؤامرة زاد ، بدأت أقرأ عن أضرار الهواتف. اكتشفت أن الهاتف المتنقل قد يؤثر على النوم، والأعصاب، والتركيز، وربما الذاكرة أيضًا. وبصراحة، لماذا أحتاج ذاكرة أصلًا طالما أن الهاتف يحفظ كل شيء عني؟ أرقام الناس، مواعيدي، صوري، حتى أعياد ميلاد أقربائي لم أعد أتذكرها دون الجهاز.
وهنا وصلت إلى القناعة الكبرى: الحل ليس في تنظيم الاستخدام أو الاستفادة الواعية من التكنولوجيا… بل في العودة إلى “الاتصالات الطبيعية”.
لذلك قررت إنشاء نظام اتصالات بديل هو نظام ” الزاجلات” فيه قائمة من الممنوعات واخرى من المسموحات، وأحد أهم الممنوعات تكنولوجيا الاتصالات الحديثة ، اما المسموحات فهي كل الاتصالات خارج هذا النظام و اهمها الحمام الزاجل. نعم، الحمام الزاجل، تكنولوجيا مجربة منذ آلاف السنين، صديقة للبيئة، لا تحتاج شاحنًا ولا باقة إنترنت ولا تحديثات نظام.
قد يستغرق وصول رسالتي إلى الطرف الآخر شهرين أو ثلاثة، لكن ما المشكلة؟ الانتظار يعلم الصبر، والصبر فضيلة.
تخيلوا كم سيكون المشهد رائعًا: بدل أن أتلقى إشعار “تمت قراءة الرسالة”، سأقف على سطح المنزل أراقب الأفق منتظرًا حمامة عائدة من رحلة دولية. وربما إذا هبت عاصفة واختفت الحمامة، أعتبر ذلك “مشكلة في التغطية”.
وقد بدأت فعلاً بوضع خطة استراتيجية: قسم للحمام المحلي، وقسم للرحلات الدولية، وفريق طوارئ في حال أكلت قطة أحد الموظفين رسالة مهمة تخص عقدًا أو تحويلًا بنكيًا.
صحيح أن العالم سيستغرق شهورًا ليتواصل معي، وصحيح أن عملي قد يتوقف، وصحيح أن بعض الرسائل قد تصل بعد وفاة أصحابها، لكن على الأقل… ستتوقف مافيات شركات الاتصالات.
الغريب أننا نفهم سخافة هذا المنطق فور الحديث عن الاتصالات والتكنولوجيا، لكن بعض الناس يتعاملون بالمنطق نفسه مع الطب.
يسمع أحدهم عن الآثار الجانبية لدواء ما ، أو يسمع عن شركة دواء جشعة او طبيب كشفه يتجاوز ٤٠٠ دولار ، فيقفز مباشرة إلى نتيجة عبقرية: “إذن اتركوا الطب كله.”
وكأن وجود أخطاء أو جشع أو مصالح في بعض الشركات يعني أن نعود إلى عصر ما قبل العلم. وكأن الحل لمشكلة سوء الاستخدام هو هدم المعرفة كلها.
الهاتف، رغم عيوبه، غيّر العالم. والطب، رغم أخطائه البشرية، أنقذ ملايين الأرواح. والعقل لا يرفض التكنولوجيا أو العلاج لأن لهما كلفة أو آثارًا جانبية، ولكن يتعلم كيف يستخدمهما بوعي… دون أن يعود لتربية الحمام الزاجل أو يخترع طريقة لعلاج مريض السكر عن طريق وقف الانسولين واضافة السكر الى الطعام .










