كتب عادل احمد
تشيِّد شركة إنجازات المتخصصة في إنتاج الطاقة والمياه أول مشروع تجريبي تجاري لتكنولوجيا الزراعة الكهروضوئية في مصر بمدينة نويبع جنوب سيناء، بتمويل قدره 4 ملايين يورو من برنامج فلاندرز الدولي للعمل المناخي، كما تخطط لتدشين مشروع لاحق في مرسى مطروح يعادل حجمه 10 أمثال حجم المشروع الحالي، حسبما صرحت المديرة التشغيلية الإقليمية للشركة دينا كفافي في تعليق أدلت به لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية.
السؤال الجوهري:
يُنفذ المشروع بالشراكة مع شركة استشارات الطاقة البلجيكية “3 إي”، وشركة “أو آر جي” للتخطيط العمراني وتصميم البنية التحتية، وحكومة إقليم فلاندرز، وستظهر أولى النتائج الاسترشادية لمشروع نويبع في سبتمبر المقبل. ويهدف المشروع إلى الإجابة عن سؤال جوهري: هل يمكن لأنظمة الزراعة الكهروضوئية، التي تعتمد على تركيب ألواح شمسية فوق الأراضي الزراعية لاستغلال المساحة في زراعة المحاصيل وتوليد الكهرباء في الوقت نفسه، أن تنجح في ظل الظروف البيئية بمصر؟
أهمية المشروع:
يمثل هذا المشروع التجريبي أول اختبار حقيقي لفكرة يدرسها صناع السياسات في مصر منذ سنوات. إذ تسعى الدولة إلى زيادة الإنتاج الزراعي، واستصلاح الأراضي، وتعزيز الأمن الغذائي، في ظل ما تواجهه من قيود مائية تزداد حدتها عاما تلو الآخر. وتتعهد تكنولوجيا الزراعة الكهروضوئية بتحقيق ثلاثة أهداف دفعة واحدة: توليد الطاقة، وتوفير الظل للمحاصيل لتقليل تبخر المياه، وتحقيق عائدات أعلى لكل فدان. وتشير نماذج مؤسسة التمويل الدولية إلى أن أنظمة الاستخدام المزدوج للأراضي يمكنها أن تخفض استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 29%، مع أن التقرير أكد أن هذه النسبة تعتمد اعتمادا كبيرا على نوع المحصول وتصميم النظام المستخدَم. ولا يزال غياب التجربة الفعلية في البيئة المصرية هو الحلقة المفقودة، ولذا فإن مشروع نويبع سيكون بمثابة أول محاولة لسد هذه الفجوة.
لا يقتصر الأمر على الحاجة إلى مزيد من الطاقة الشمسية. إذ تمتلك مصر بالفعل عددا من أكبر مجمعات الطاقة الشمسية في المنطقة، كما أضافت 0.7 جيجاوات من القدرات الشمسية المركبة في عام 2025، ليصل إجمالي القدرة إلى 3.3 جيجاوات، بحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية (بي دي إف). لذا فإن النقاش الدائر حول الزراعة الكهروضوئية يدور حول الأرض والمياه، وليس حول كمية الطاقة الشمسية المنتجة.
قالت كفافي إن موقع نويبع يختبر 3 معايير رئيسية، وهي كفاءة استخدام المياه، وإنتاجية المحاصيل، وكفاءة استغلال الأراضي، وذلك على مدار 3 مواسم زراعية. كذلك سيجرب المشروع مزيجا من المحاصيل النقدية والفواكه والخضروات، بما في ذلك الطماطم والبصل، مع ترقب ظهور النتائج الاسترشادية الأولى في سبتمبر. وأضافت أن مشروع مرسى مطروح التالي، الذي يبلغ حجمه 10 أمثال حجم مشروع نويبع، سيكون واحدا من أكبر مشروعات الزراعة الكهروضوئية في المنطقة في حال المضي قدما في تنفيذه.
انقسام في القطاع:
تحدث أكرم إسماعيل، المدير التقني لشركة كرم القابضة، مع إنتربرايز حول المشروع. وقال إن فكرة الزراعة الكهروضوئية “تبدو مقنعة من الناحية الأكاديمية، لكنها بعيدة تماما عن واقعنا التجاري في مصر”. وأضاف أن “الطلب الذي نلمسه باستمرار من عملائنا في القطاع الزراعي يتركز على توفير طاقة موثوقة لعمليات الري والتشغيل تعمل على مدار الساعة، وليس على أنظمة الاستخدام المزدوج للطاقة والمحاصيل”.
يمثل هيكل التكلفة الحجة الأساسية التي تستند إليها شركة كرم القابضة. إذ إن الهياكل المرتفعة لأنظمة الزراعة الكهروضوئية تزيد تكلفتها بنسبة 20% على الأقل مقارنة بالأنظمة التقليدية المثبتة أرضا. ويُحدد هذا الفارق في التكلفة بحسب التصميم ونوع المحصول. ولذا سيصعب تبرير هذه النفقات الرأسمالية الإضافية للمستثمرين الزراعيين في مصر، الذين يواجهون في الأساس تكاليف تمويل مرتفعة. ويرى إسماعيل أن المشكلة الأكبر تكمن في الخطوات التي تسبق الحديث عن الطاقة الشمسية. وقال: “في مناطق عملياتنا، لا تقل تكلفة حفر بئر مياه واحدة عن 12 مليون جنيه. يطيح هذا العبء الرأسمالي وحده الجدوى الاقتصادية للمشروع بأكمله، قبل البدء في أي نقاش حول التكلفة الإضافية للهياكل المرتفعة والمخصصة للزراعة الكهروضوئية”.
في المقابل، ترى كفافي أن تكلفة الزراعة الكهروضوئية تُقيَّم استنادا إلى معيار خاطئ؛ لأن التعامل معها على أنها مشروع مستقل لتوليد الكهرباء يغفل جوهر الفكرة، فالقيمة الحقيقية لهذا المشروع تنبع من دمج إنتاجية الطاقة والمياه والأرض في أصل واحد للبنية التحتية. وأوضحت أن الجدوى الاقتصادية تصبح واضحة تماما عندما “يتحول التحوط عبر الطاقة المتجددة إلى تحوط ضد المخاطر الاقتصادية الكلية أيضا، وليس مجرد تحوط من أسعار الطاقة”.
هل هي عوائق مؤسسية؟
في تعليقها لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية ، تقول زينب حافظ، مؤسِسة المبادرة المصرية للزراعة الكهروضوئية: “الجدوى الاقتصادية للتكنولوجيا مواتية، لكن العائق الحقيقي يكمن في الأطر التنظيمية والتمويلية، مثل تحديد جهات إصدار التراخيص، وتحديد التعريفات، وفرض الضرائب على العائدات المزدوجة، وبروتوكولات حيازة الأراضي للتعاقدات طويلة الأجل التي تمتد لعقود”. وأشارت إلى أن التوسع في هذا المجال يتطلب تنسيقا بين الوزارات، وإعداد وثائق جاهزة للتمويل المناخي، ونماذج تعاقدية للأراضي الزراعية المنتجة، فضلا عن وجود مشروع تجريبي وطني موثق يوفر بيانات موثوقة حول الإنتاجية والطاقة والمياه والجدوى الاقتصادية.
نبذة عن المبادرة المصرية للزراعة الكهروضوئية:
تعد المبادرة أول إطار مخصص للحوكمة والمعايير البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات فيما يخص تطبيقات الزراعة الكهروضوئية الحقيقية على الأراضي المنتجة في مصر. وأوضحت حافظ أن المبادرة تركز على الجانب المؤسسي للتوسع، الذي يضم بروتوكولات الحوكمة، وأطر المراقبة والتقييم، ونماذج التنسيق بين الوزارات، وبروتوكولات حيازة الأراضي.
نظرة أعمق:
تعتمد أنظمة الزراعة الكهروضوئية على طبقتين، إذ تولد الألواح المرتفعة عن الأرض الكهرباء في الأعلى، بينما تنمو المحاصيل في الأسفل تحت تظليل جزئي. ويقلل هذا التظليل تبخر رطوبة التربة والإجهاد الحراري للمحاصيل، كما تعمل المحاصيل بدورها على تبريد الألواح الشمسية؛ نظرا إلى أن كفاءة ألواح الطاقة الشمسية تنخفض مع ارتفاع درجات الحرارة، مما يعني أن الأرض المظللة سترفع كفاءة توليد الكهرباء. وتقدر مؤسسة التمويل الدولية السعة الإجمالية العالمية لهذه الأنظمة بين 2.8 و14 جيجاوات، ويعكس هذا النطاق المتسع مدى حداثة هذا النوع من الأصول وغياب القياس الدقيق لحجمه حتى الآن.
تذكر: علق جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك العمل بنظام صافي القياس الحالي في أواخر ديسمبر 2025، وأرجأ تطبيق القواعد الجديدة في يناير بعد اعتراضات من مطوري الطاقة الشمسية. ولا يزال هذا الإطار التنظيمي قيد المراجعة. كما لا يحدد نظام صافي القياس الجدوى الفنية للزراعة الكهروضوئية. بل يحدد ما إذا كان هناك من سيمولها. ويرى إسماعيل أن إقحام الزراعة الكهروضوئية في ظل غياب إطار واضح لصافي القياس “يضاعف المخاطر دون أن يقابلها عائد متناسب”.
رأينا: يبدو كل من كرم سولار وإنجازات على صواب، لكنهما يتناولان مشكلتين مختلفتين. إذ تقيم الأولى الزراعة الكهروضوئية مقارنة بالجدوى الاقتصادية لأنظمة الطاقة الشمسية المخصصة للري، وهو نموذج ناجح ومنخفض التكلفة بالفعل. وفي المقابل، يستند تقييم إنجازات إلى تساؤل أوسع حول طبيعة الاستخدامات المستدامة الممكنة للأراضي خلال العقد المقبل، وما يعنيه ذلك للاقتصاد المصري الذي يعاني في الأساس من الإجهاد المائي. وستكشف نتائج سبتمبر المقبل ما إذا كانت حجة البنية التحتية المتكاملة تستند إلى بيانات واقعية، أم أنها ستظل مجرد صياغة نظرية مفيدة.










