يُشكل “قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين”، الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، انتهاكاً صارخاً لمنظومة القانون الدولي. يُخضع هذا التشريع الأسرى الفلسطينيين لمحاكمات عسكرية ويفرض عقوبة الإعدام تعسفياً، مما يضع إسرائيل في صدام مباشر مع مؤسسات العدالة الدولية.
لقد ثبت حتى الآن أن الجهود الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، التي تحثّ إسرائيل على التراجع عن مسارها، غير فعالة. ويحدث هذا التطور المروّع وسط كارثة إنسانية متعمدة ومستمرة في قطاع غزة، والتي وصفتها لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، والعديد من المنظمات الفلسطينية والإسرائيلية والدولية، وخبراء مستقلون بأنها تشكل إبادة جماعية، وفي ظل تسارع عملية ضم فعلي للضفة الغربية، على النحو الذي أقرته محكمة العدل الدولية في فتواها الصادرة في 19 يوليو/تموز 2024.
وبالتالي، فإن اعتماد قانون عقوبة الإعدام هو جزء من نمط من السياسات والممارسات التمييزية ضد الفلسطينيين، والتي وجدت محكمة العدل الدولية في نفس الفتوى أنها تنتهك المادة 3 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي تحظر الفصل العنصري والأبارتهايد.
وتعزيزًا لهذه السياسات، تجاوزت إسرائيل بالفعل الخطوط الحمراء التي وضعها الاتحاد الأوروبي: المضي قدمًا في بناء المستوطنات في المنطقة E1، ما يفصل مدن وقرى الضفة الغربية عن بعضها ويؤثر على ترابطها الجغرافي، بقصد منع قيام دولة فلسطينية في المستقبل؛ والحظر المفروض على الأونروا والهجمات على منشآتها، بما في ذلك المدارس والعيادات التي بنيت وتدار بمساهمات من الاتحاد الأوروبي؛ وطرد المنظمات غير الحكومية الدولية من خلال إجراءات التسجيل التقييدية؛ والإخلاء القسري للسكان الفلسطينيين في القدس الشرقية؛ والتهجير القسري لعشرات الآلاف من الفلسطينيين والهدم الواسع النطاق للمنازل والبنية التحتية الفلسطينية في الضفة الغربية،
بما في ذلك المشاريع التي يمولها الاتحاد الأوروبي؛ والإفلات المستمر من العقاب على الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن الإسرائيلية وعنف المستوطنين المدعومين من الدولة؛ والتقارير عن تعذيب الأسرى الفلسطينيين وإساءة معاملتهم على نطاق واسع وممنهج؛ والقيود المفروضة على الحريات الدينية؛ والهجمات على الصحفيين؛ ومنع مسؤولي الاتحاد الأوروبي من الاطلاع على الوضع على الأرض.
ويتضمن القانون تمييزاً في آلية تطبيقه بين داخل إسرائيل والضفة الغربية، إذ ينص على فرض عقوبة الإعدام في الضفة باعتبارها العقوبة الأساسية، مع منح المحكمة العسكرية صلاحية استثنائية لفرض السجن المؤبد في “ظروف خاصة”، على أن يحدد وزير الأمن سياسة الجهة القضائية المختصة بمحاكمة المتهمين.
كما يمنح مشروع القانون رئيس الحكومة صلاحية التوجه إلى المحكمة لطلب تأجيل تنفيذ حكم الإعدام في “ظروف خاصة”، على ألا تتجاوز فترة التأجيل الإجمالية 180 يوماً، رغم تحديد مهلة تنفيذ الحكم الأساسية بـ90 يوماً من تاريخ تثبيته. ووفق صيغته الرسمية، ينص مشروع القانون على “أن كل مَن يُدان بقتل إسرائيلي بدافع عنصري أو عدائي أو بغية الإضرار بدولة إسرائيل والشعب اليهودي في أرضه، يُحكم عليه بالإعدام والإعدام فقط إلزاماً من دون تقدير قضائي، وهو أمر غير مسبوق، على أن يصدر الحكم بأغلبية آراء القضاة (اثنين من ثلاثة قضاة) وألا يكون مشروطاً بالإجماع، ويُمنع استبدال العقوبة بعقوبة أُخرى، بعد صدور الحكم النهائي، ومن دون إمكان تخفيف العقوبة لاحقاً.
وكانت الكنيست الإسرائيلية قد أقرت في مارس/آذار 2023 بالقراءة الأولية مشروع قانون يسمح بعقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين “المدانين بقتل إسرائيليين”، إذ تم قدمه بن غفير بدعم من نتنياهو. في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أُقر مشروع القانون بالقراءة الأولى، بأغلبية 39 عضوا (من أصل 120)، مقابل 16 صوتوا ضده.
ووفق الصيغة المطروحة التي صادقت عليها لجنة الأمن القومي بالقراءة الأولى آنذاك، يوجه القانون أساساً ضد “الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين في عمليات ذات دوافع قومية أو أمنية”، أي أنه لا يشمل المساجين اليهود الذين ارتكبوا جرائم مماثلة بحق فلسطينيين، ما يجعل منه قانوناً تمييزياً وعنصرياً. فَنص القانون يكشف عن طبيعة تمييزية واضحة، إذ يستهدف حصراً الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين لدوافع قومية، بينما يستثني الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم قتل بحق الفلسطينيين. ويرى مراقبون أن هذا التشريع ليس أداة قضائية لتحقيق العدالة، بل هو وسيلة انتقامية موجهة ضد الشعب الفلسطيني تحت غطاء قانوني.
وما يجدر التأكيد عليه، في سياق تحليل البنية الأيديولوجية والتشريعية لليمين الإسرائيلي المتطرف، أن الدفع نحو سن قوانين تشرع أو توسع تطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين لا يُعد توجهاً طارئاً أو وليد اللحظة، بل هو امتداد راسخ لعقيدة سياسية وأمنية متجذرة في هذا التيار، تجلت عبر سلسلة متواصلة من المبادرات التشريعية التي أُعيد طرحها مراراً رغم الإخفاقات المتكررة. فقد شهد شهر يونيو/حزيران 2015 محاولة مبكرة حين قدم أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، مشروع قانون مماثلاً، إلا أن الهيئة العامة للكنيست أسقطته في منتصف يوليو/تموز من العام ذاته، قبل أن يُعاد طرحه في أكتوبر/تشرين الأول عبر النائب شارون غال، الذي لم يلبث أن استقال لاحقاً من الكنيست، ما أوقف المسار التشريعي للمقترح.
وفي يونيو/حزيران 2016، عاد المشروع ليشكل أحد الشروط السياسية لانضمام حزب “إسرائيل بيتنا” إلى حكومة بنيامين نتنياهو، حيث نجح في تجاوز القراءة التمهيدية مطلع عام 2017، غير أنه تعثر بفعل معارضة المستشار القضائي للحكومة ونظيره في الكنيست، وهي معارضة عكست تخوفات قانونية ودستورية عميقة، قبل أن يُعاد طرحه مجدداً في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه دون أن يُكتب له الاستمرار. وفي يناير/كانون الثاني 2018، أقرت الهيئة العامة للكنيست المشروع في قراءته التمهيدية، إلا أنه واجه موجة اعتراض واسعة من وزارة العدل الإسرائيلية ومنظمات حقوقية محلية ودولية، ما حال دون تقدمه في المسار التشريعي.
وتكرر المشهد في أبريل/نيسان 2020 حين أعاد عضو الكنيست ميكي زوهر من حزب الليكود طرح المشروع، حيث أُقر مجدداً بالقراءة التمهيدية، لكنه لم يتجاوز هذه المرحلة بسبب الرفض المحلي والدولي المتصاعد. كما شهد عام 2021 إعادة طرح القانون أربع مرات من قبل إيتمار بن غفير وعدد من أعضاء حزب الليكود، غير أن جميع هذه المحاولات بقيت حبيسة المراحل التشريعية الأولى، دون أن تنجح في التحوّل إلى قانون نافذ.
وتكشف هذه السلسلة المتكررة من المحاولات عن إصرار بنيوي لدى اليمين الإسرائيلي على ترسيخ هذا التوجه المتطرف، حتى وإن اصطدم ذلك مراراً بعوائق قانونية وحقوقية داخلية وضغوط دولية متزايدة.
وفي هذا السياق، حذرت منظمة العفو الدولية “أمنستي” من خطورة هذا التشريع، معتبرة أنه يرسخ نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وقد يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع التوجه العالمي لإلغاء عقوبة الإعدام، وقد يشكل تنفيذه جريمة مكتملة الأركان. وما هو مؤكد فان القانون يُشكل مخالفة واضحة لاتفاقيات جنيف، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب، بحسبان أن إسرائيل قوة احتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن ثم يخضع سكانها للحماية بموجب المادة 68 من الاتفاقية، التي تحظر فرض عقوبة الإعدام على المدنيين المحميين إلا في حالات استثنائية ضيقة جداً مع ضمانات إجرائية صارمة.
فضلاً عن ترسيخه تمييزاً صارخاً بين حالة الفلسطينيين في المحاكم العسكرية، والإسرائيليين في المحاكم المدنية، بالمخالفة لمبدأ عدم التمييز، لذلك وصف المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، تطبيقه على سكان الأراضي المحتلة بأنه “جريمة حرب”، بينما اعتبرته السلطة الفلسطينية، ومنظمتا “هيومان رايتس ووتش”، و”العفو الدولية” انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.
ان قانون الإعدام بصورته الحالية يشرعن قتل واستباحة دماء الأسرى الفلسطينيين، ويرقى لاعتباره جريمة حرب بموجب المادة (8) من ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، ويتسم بالطابع العنصري باعتباره ينطبق على الفلسطينيين دون الإسرائيليين،
وهو ما ينتهك الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. كما أن حرمان الشخص المحكوم بالإعدام من حقه في استئناف الحكم، ينتهك المادة (14/5) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تكفل حق الشخص في اللجوء لمحكمة أعلى درجة لإعادة النظر في قرار إدانته، ويتكرر الطابع العنصري لهذا القانون بالنظر إلى حرمان المعتقل من مبدأ العفو عنه. وتؤشر صلاحية إصدار الحكم بالأغلبية دون إجماع الهيئة القضائية، على مقاصده في تيسير إصدار أحكام الإعدام.
عليه، فإن محاولات تشريع إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الانتهاكات التي تمس جوهر الحماية القانونية الدولية، إذ تمثل خرقاً مزدوجاً لكل من قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظم سلوك سلطة الاحتلال، وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تكفل الحق في الحياة والمحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن هذا التوجه لا يكتسب فقط صفة عدم المشروعية، بل يرقى إلى كونه تحدياً مباشراً للنظام القانوني الدولي برمته، وتقويضاً لمبادئ العدالة ككل.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










