نقد الخطاب الذي يُحمِّل المرأة مسؤولية الجريمة وتحليل الوصاية الذكورية المقنّعة
تُعدّ ظاهرة التحرش الجنسي واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدًا وإثارةً للجدل، ليس فقط بسبب ما تخلّفه من أضرار نفسية واجتماعية على الضحايا، بل بسبب الخطابات الثقافية والدينية والاجتماعية التي كثيرًا ما تحيط بها. فبدلًا من توجيه السؤال نحو الجاني ودوافعه وآليات ردعه، يجري في كثير من الأحيان تحويل بوصلة الاتهام نحو الضحية نفسها، عبر البحث عن أسباب في لباسها أو مظهرها أو طريقة حديثها أو خروجها إلى الفضاء العام.
هذا التحول من مساءلة الفاعل إلى مساءلة الضحية يمثل إحدى أكثر الإشكاليات الأخلاقية والفكرية خطورة في معالجة قضية التحرش. فبدلًا من النظر إلى التحرش باعتباره سلوكًا عدوانيًا ينتهك حرية الإنسان وكرامته، يُعاد تقديمه أحيانًا بوصفه رد فعل طبيعيًا أو متوقعًا على سلوك المرأة أو مظهرها، وهو ما يفتح الباب أمام تبرير الجريمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إن حادثة التحرش بامرأة محجبة “التي تداولها البعض في وسائل التواصل الإجتماعي” أو محتشمة أو ملتزمة بالمعايير التي يطالب بها الخطاب المحافظ تضع هذه التفسيرات أمام اختبار حقيقي؛ لأنها تكشف محدودية الفرضية التي تربط التحرش بملابس المرأة أو شكلها، وتعيد طرح السؤال الأساسي: هل المشكلة في المرأة فعلًا أم في المتحرش؟
أولًا: مفهوم التحرش الجنسي وطبيعته الحقيقية
تعرف الدراسات الاجتماعية والنفسية التحرش الجنسي بأنه سلوك غير مرغوب فيه يحمل طابعًا جنسيًا، سواء كان لفظيًا أو جسديًا أو بصريًا أو إلكترونيًا، ويهدف إلى فرض سلطة أو إشباع رغبة أو ممارسة هيمنة على الضحية.
ومن المهم ملاحظة أن التحرش ليس مجرد تعبير عن رغبة جنسية، لأن الرغبة الجنسية الطبيعية لا تبرر الاعتداء على الآخرين. ولهذا يذهب عدد كبير من الباحثين إلى اعتبار التحرش سلوكًا مرتبطًا بالسلطة والسيطرة أكثر من ارتباطه بالجاذبية أو المظهر.
فالتحرش يحدث في:
أماكن العمل.
المدارس والجامعات.
وسائل النقل.
دور العبادة.
البيئات المحافظة والمنفتحة على السواء.
وهذه الحقيقة تشير إلى أن الظاهرة أوسع بكثير من اختزالها في شكل لباس أو نمط حياة معين.
ثانيًا: صناعة “الشماعة” الاجتماعية وتحويل الضحية إلى متهم
عندما تقع جريمة تحرش، يبرز سؤال متكرر في بعض المجتمعات:
“ماذا كانت ترتدي؟”
ولا يُطرح السؤال نفسه حول المتحرش:
كيف تربى؟
ما منظومته الأخلاقية؟
لماذا اعتدى؟
لماذا لم يحترم القانون؟
هذا التحول ليس بريئًا؛ بل يعكس آلية اجتماعية تُعرف في علم الاجتماع بـ”لوم الضحية”، وهي محاولة تفسير الجريمة بطريقة تجعل الضحية شريكًا فيها بصورة ما.
ويؤدي هذا المنطق إلى نتائج خطيرة:
إعفاء الجاني من المسؤولية الأخلاقية.
إشعار الضحية بالذنب.
تشجيع ثقافة الصمت.
تقليل فرص الإبلاغ عن الجرائم.
تكريس الظلم الاجتماعي.
وفي كثير من الحالات يصبح السؤال عن لباس الضحية أهم من السؤال عن سلوك المعتدي نفسه.
ثالثًا: سقوط فرضية “الملابس سبب التحرش”
من أكثر المبررات شيوعًا القول إن التحرش نتيجة مباشرة لعدم الاحتشام.
لكن الوقائع اليومية والدراسات الميدانية تكشف أن التحرش يقع ضد:
المحجبات.
المنقبات.
غير المحجبات.
الأطفال.
المسنات.
ذوات الإعاقات.
النساء في المجتمعات المحافظة والمنفتحة معًا.
وهنا تظهر مفارقة منطقية مهمة:
إذا كانت الملابس هي السبب، فلماذا تتعرض نساء يلتزمن بأقصى درجات الاحتشام للتحرش؟
وإذا كان الحجاب أو النقاب أو الاحتشام الكامل يشكل حماية مطلقة كما يُدّعى، فلماذا تستمر الظاهرة داخل المجتمعات التي يسود فيها هذا النمط من اللباس؟
إن وجود حالات تحرش بامرأة محجبة لا يعني انتقاد الحجاب نفسه، وإنما يعني أن تفسير التحرش بالحجاب أو غيابه تفسير قاصر وغير كافٍ لفهم الظاهرة.
رابعًا: الجذور النفسية للمتحرش
تشير الدراسات النفسية إلى أن المتحرش غالبًا ما تحركه مجموعة عوامل متداخلة، منها:
الشعور بالاستحقاق
حيث يعتقد أن له حقًا ضمنيًا في التدخل في جسد المرأة أو خصوصيتها.
ضعف التعاطف
إذ يعجز عن إدراك الأثر النفسي الذي يسببه للضحية.
الرغبة في السيطرة
فبعض أشكال التحرش ليست بحثًا عن المتعة بقدر ما هي ممارسة للهيمنة.
الثقافة المتسامحة مع الجريمة
حين يشعر المتحرش أن المجتمع سيجد له الأعذار بدلًا من محاسبته.
ولهذا فإن التركيز على الضحية يساهم فعليًا في إنتاج بيئة أكثر أمانًا للمتحرش نفسه.
خامسًا: الوصاية الذكورية وتجميل الهيمنة
من الإشكاليات المهمة في هذا الملف ما يمكن تسميته بـ”الوصاية الذكورية التجميلية”.
فالخطاب لا يقول غالبًا:
“نريد السيطرة على المرأة.”
بل يقول:
نفعل ذلك لحمايتها.
نفرض القيود حفاظًا عليها.
نحدد سلوكها صونًا لكرامتها.
وبهذا تتحول الوصاية إلى مشروع يبدو أخلاقيًا وإنسانيًا في ظاهره.
لكن السؤال الفلسفي هنا:
إذا كانت القيود مفروضة لحماية المرأة من سلوك الرجل، فلماذا لا يُوجَّه الجهد الأكبر إلى إصلاح سلوك الرجل نفسه؟
إن تحميل المرأة مسؤولية تجنب الجريمة بدل تحميل الرجل مسؤولية عدم ارتكابها يمثل انقلابًا أخلاقيًا في ترتيب المسؤوليات.
فالقاعدة القانونية والأخلاقية السليمة هي:
المجرم مسؤول عن الجريمة، لا الضحية.
سادسًا: من ثقافة الضبط الخارجي إلى ثقافة المسؤولية
كثير من الخطابات التقليدية تقوم على فكرة ضبط المرأة باعتبارها الحلقة الأضعف في المعادلة.
لكن المجتمعات الحديثة تتجه نحو مبدأ مختلف:
ليس المطلوب تقييد حرية الضحية، بل ضبط سلوك المعتدي.
وهذا الانتقال يمثل تحولًا حضاريًا مهمًا من:
ثقافة المنع.
ثقافة الخوف.
ثقافة الوصاية.
إلى:
ثقافة الحقوق.
ثقافة المسؤولية الفردية.
ثقافة المواطنة المتساوية.
سابعًا: لماذا يستمر البحث عن شماعة؟
يستمر لوم المرأة لأسباب عديدة:
أسباب ثقافية
لأن الاعتراف بوجود مشكلة في تربية الرجال أكثر صعوبة من إلقاء اللوم على النساء.
أسباب نفسية
إذ يمنح لوم الضحية شعورًا زائفًا بالسيطرة على الواقع.
أسباب سلطوية
لأن بعض البنى الاجتماعية تستمد جزءًا من نفوذها من استمرار الوصاية على المرأة.
أسباب أيديولوجية
حيث تُستخدم قضية التحرش أحيانًا لتأكيد تصورات مسبقة حول دور المرأة ومكانها الاجتماعي.
ثامنًا: نحو مقاربة أكثر عدلًا وإنسانية
إن معالجة التحرش تتطلب إعادة توجيه النقاش من الضحية إلى الجاني.
فالأسئلة الصحيحة ليست:
لماذا خرجت؟
لماذا ضحكت؟
لماذا ارتدت هذا اللباس؟
بل:
لماذا تحرش؟
كيف تربى؟
ما الذي شجعه؟
كيف يُحاسب؟
كيف نمنع تكرار الجريمة؟
إن أي مجتمع يريد مواجهة التحرش بجدية لا بد أن يبني خطابه على ثلاث ركائز:
المسؤولية الكاملة للمتحرش عن فعله.
حماية الضحية من الوصم والاتهام.
تعزيز التربية الأخلاقية والقانونية القائمة على احترام حقوق الإنسان وإنسانيته.
تكشف وقائع التحرش المتكررة، سواء طالت محجبات أو غير محجبات، صغيرات أو كبيرات، أن اختزال الظاهرة في لباس المرأة أو مظهرها ليس تفسيرًا علميًا بقدر ما هو محاولة للبحث عن “شماعة” تريح المجتمع من مواجهة المشكلة الحقيقية. فالتحرش ليس نتاج قطعة قماش، بل نتاج خلل في الوعي الأخلاقي، وفي التربية، وفي ثقافة التسامح مع المعتدي.
وحين تُحمَّل المرأة مسؤولية جريمة لم ترتكبها، فإننا لا نحل المشكلة بل نضاعفها؛ لأننا نمنح الجاني عذرًا إضافيًا ونضيف إلى الضحية عبئًا جديدًا. ولذلك فإن أي مقاربة عادلة وإنسانية لقضية التحرش يجب أن تنطلق من مبدأ بسيط وواضح: كرامة الإنسان لا تُقاس بملابسه، والجريمة تبقى جريمة مهما كانت هيئة ضحيتها، والمسؤول الأول والأخير عنها هو من إرتكبها أي المتحرش.










