لم يكن الفقد يوماً صوتاً عالياً، بل هو هذا الانخفاض المفاجئ في منسوب الضوء بداخلنا، حشدٌ من الكلام يهاجر إلى الداخل، يرفض الخروج، ويتكدس كشحنات في عصب الصمت.
كيف أقول لكِ إن المسافات التي تبنيها الأيام بيننا ليست أميالاً على خارطة، بل هي جدران من الاسمنت الروحي، ترتفع كلما تعثرت في قلوبنا عبارة طازجة ،نحن نكبر لا بعدد السنين، بل بعدد المرات التي نبتلع فيها غصاتنا ونقول للعابرين: “كل شيء على ما يرام”. نكذب على غدنا ليصدقنا حاضرنا، بينما في غرفنا المغلقة، نتفقد ندوبنا كما يتفقد القائد المهزوم ثقوب درعه بعد المعركة.
الحنين هو الوجع الأنيق، التناقض المرّ حيث تشتاق ليدٍ دافئة مسحت على جبين قلقك يوماً، وتخاف في الوقت ذاته من لمستها الآن لأنها قد توقظ الرماد الذي اجتهدت طويلاً لإقناعه بأنه صار تراباً.
العيون التي أدمنت السهر لم تعد تبحث عن النعاس، بل تبحث عن مخرج طوارئ من هذا الليل الطويل الذي يعيد ترتيب الأسئلة القديمة بنبرة ساخرة.
و في النهاية ،
كل واحد منا يحمل صليبه السري، يمشي به وسط الجموع كأنه يرتدي بدلة أنيقة لإخفاء كسرٍ في الضلوع. نحن مجرد قصاصات من مشاعر مبعثرة، أُلقيت في زجاجة ورُميت في بحر الوجود، ننتظر أن يلتقطنا غريبٌ يملك من العمق ما يكفي ليقرأ ما خلف السطور، ليذوب في حزننا، أو لنذوب معاً في تآخي الغرباء.










