مقدمة: أبعاد التهديد في حروب الجيل القادم
لم تعد الحروب الحديثة تُدار بالترسانة العسكرية التقليدية وحدها، بل إن إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية والصراعات الإقليمية باتت محكومة بتهديدات غير متماثلة تقع خارج الأطر النمطية للمعارك. وتأتي في مقدمة هذه المخاطر التهديدات الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية.
إن الأزمات الوبائية الأخيرة، إلى جانب الاتهامات المتبادلة بين القوى الكبرى حول نشر “المختبرات البيولوجية العسكرية” في مناطق الصراع المشتعلة، تؤكد أن الأمن الصحي والدفاع البيولوجي لم يعودا مجرد ملفات طبية خدمية، بل هما جزء لا يتجزأ من ركائز الأمن القومي الشامل لحماية كيان الدولة. ومن هنا، يبرز التساؤل الاستراتيجي الحاسم أمام متخذ القرار المصري: هل يجب على الأكاديمية العسكرية المصرية فتح كلية للصيدلة العسكرية بكافة تخصصاتها لدعم إدارة الحرب الكيماوية وتحقيق الردع والدفاع البيولوجي؟
تغطي هذه الورقة الموضوع من جوانبه الاستراتيجية، والتشغيلية، والاقتصادية، والتعليمية لتقديم رؤية متكاملة لمتخذ القرار تدعم التوجه نحو هذا الخيار الحيوي.
- الأبعاد الاستراتيجية لإنشاء كلية الصيدلة العسكرية
إن دمج علوم الصيدلة بالمنظومة العسكرية والأمنية ليس مجرد إضافة أكاديمية لتنويع الشهادات، بل هو حاجة دفاعية ملحة تفرضها طبيعة الصراعات الحديثة. ويتجلى البعد الأول في مفهوم الردع والدفاع البيولوجي؛ فالحروب البيولوجية الحديثة تعتمد على مسببات أمراض معدية من فيروسات وبكتيريا يتم تطويرها جينياً لتجاوز اللقاحات التقليدية ومقاومة المضادات الحيوية المتاحة. وهنا يبرز دور “الضابط الصيدلي المقاتل” الذي يتم تأهيله داخل الأكاديمية ليكون قادراً على فهم التركيب الجيني للميكروبات، وتطوير ترياقات ومضادات نوعية فورية داخل مختبرات عسكرية آمنة وعالية التحصين.
أما البعد الثاني فيرتبط مباشرة بـ مجابهة الحرب الكيماوية، حيث يتكامل دور هذه الكلية المقترحة مع المهام الميدانية لإدارة الحرب الكيماوية بالقوات المسلحة. فالصيدلي العسكري هو الأقدر على فهم الميكانيكية الكيميائية للغازات السامة، مثل غازات الأعصاب كالسارين أو غازات التقيح كالمسترد، ومن ثم ابتكار وسائل وقاية شخصية وعلاجات إسعافية متطورة تنقذ حياة المقاتلين في قلب الميدان وتضمن استمرار كفاءتهم القتالية.
وينعكس هذا كله في النهاية على السيادة الدوائية والأمن الصحي للدولة؛ ففي أوقات الحروب والأوبئة العالمية، تخضع سلاسل الإمداد للابتزاز والحصار الدولي، وامتلاك القوات المسلحة لكلية صيدلة متخصصة تضم مراكز بحوث لتخليق المواد الخام للأدوية الحرجة يضمن الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي للبلاد دون الارتهان للإرادة الخارجية. ولا تتوقف حدود هذه الكلية عند مجابهة المخاطر البيولوجية والكيماوية فحسب، بل تمتد لتشكل حائط صد رئيسي في مواجهة التهديدات الإشعاعية والنووية (Radiological and Nuclear Threats). ففي ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة وخطر انتشار الأسلحة النووية التكتيكية أو حدوث تسربيات إشعاعية من المفاعلات، يصبح وجود الصيدلي العسكري أمراً حاسماً. فالصيدلي العسكري المتخصص في العلوم الإشعاعية هو المنوط به فهم تأثير الإشعاعات المؤينة على الخلايا الحية، وتطوير وتصنيع مضادات الإشعاع ومواد الوقاية الكيميائية الإشعاعية (Radioprotectors) التي تُعطى للمقاتلين قبل أو أثناء العمليات في مناطق التلوث الإشعاعي لتقليل تلف الأنسجة وحمايتهم من متلازمة الإشعاع الحادة (ARS)، بالإضافة إلى ابتكار مركبات قادرة على تسريع طرد النظائر المشعة من الجسم (Decorporation Agents)، وهو بعد يمنح القوات المسلحة تفوقاً استراتيجياً وقدرة على الصمود في بيئات المعارك الأكثر تعقيداً. - التخصصات المقترحة للهيكل الأكاديمي للكلية (الصيدلة بكل أنواعها)
لكي تؤدي الكلية دورها التنموي والدفاعي بالشكل الأمثل، يجب ألا تكتفي بالتعليم التقليدي السائد، بل ينبغي لها فتح تخصصات دقيقة وحيوية تخدم فلسفة “الجامعة المشروع”. ويتصدر هذه التخصصات قسم الصيدلة الصناعية وتخليق المواد الخام، الذي يركز على الهندسة العكسية للأدوية وتصنيع المواد الفعالة محلياً، وهو ما يمثل ذراعاً صناعياً وعسكرياً يقلل فاتورة استيراد الدواء.
ويتكامل مع هذا القسم تخصص علم السموم والتحليل الكيماوي والجنائي، وهو خط الدفاع المباشر لخدمة الحرب الكيماوية، إذ يُعنى الباحثون فيه بكشف العوامل الكيماوية في ميدان المعركة وتحليل الأغذية والمياه للتأكد من خلوها من أي محاولات تسميم متعمدة من العدو.
أما عصب الدفاع الحديث فيتمثل في تخصص الصيدلة الحيوية والتكنولوجيا الحيوية، المسؤول عن هندسة اللقاحات والأمصال، والتعامل مع الفيروسات المعدلة وراثياً، وتطوير مستشعرات بيولوجية محمولة قادرة على رصد المؤشرات الأولى للهجمات البيولوجية بدقة متناهية.
وأخيراً، يأتي تخصص الصيدلة الإكلينيكية وتجهيز الإمداد الطبي العسكري ليضمن تخطيط وإدارة مخازن الأدوية الاستراتيجية تحت ظروف الحصار والعمليات، مع تدريب الخريجين على التعامل الطبي الإكلينيكي السريع مع جروح الميدان الناتجة عن الأسلحة غير التقليدية. - الصيدلة الإشعاعية والنووية (Radiopharmacy): وهو تخصص دقيق يُعنى بتركيب وتداول المواد المشعة والأدوية المشعة المستخدمة في التشخيص والعلاج، إلى جانب التركيز البحثي المكثف على ابتكار وتخزين ترياقات اليود (Potassium Iodide) وحبوب حماية الغدة الدرقية، وصياغة بروتوكولات دوائية طارئة للتعامل مع حالات التلوث الإشعاعي الكثيف، مما يضمن جاهزية الطواقم الطبية والمقاتلين للعمل في ظروف الحروب النووية أو حوادث المفاعلات.
- التحليل الاستراتيجي وخيارات متخذ القرار
عند مقارنة الوضع الحالي بالبديل المقترح، تظهر فوارق جوهرية في الكفاءة القتالية والميدانية للمؤسسة العسكرية. فالاعتماد الحالي على الصيادلة المدنيين الذين يتم تكليفهم للخدمة العسكرية يواجه عقبة رئيسية؛ وهي افتقار الصيدلي المدني للتأهيل البدني والتكتيكي الصارم الذي يمكنه من العمل تحت وطأة القصف أو في بيئات ملوثة بالغازات الكيماوية. في المقابل، يتيح خيار إنشاء كلية صيدلة عسكرية بالأكاديمية ضخ دماء جديدة من الضباط المقاتلين المتخصصين الذين يجمعون بين الكفاءة القتالية العالية والفهم الأكاديمي العميق للتعامل مع بيئات الحروب غير التقليدية المعقدة.
من جانب آخر، تبرز مسألة السرية والأمن المعلوماتي كعامل حاسم في ترجيح كفة هذا المشروع. فالأبحاث الدقيقة المتعلقة بالسموم وتطوير الأمصال المضادة هي معلومات على درجة فائقة من الحساسية العسكرية، وإدارتها من خلال منظومة أكاديمية مدنية يعرضها لمخاطر التسريب أو التدخلات الخارجية وربما الروتين الإداري وبطء التمويل. بينما تضمن بيئة الأكاديمية العسكرية حوكمة مطلقة وسرية تامة للأبحاث، مع ربطها المباشر بتمويلات هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا (STDF) ووزارة الدفاع، مما يسرع من وتيرة خروج الترياقات إلى خطوط الإنتاج.
وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، يمثل الوضع الراهن استنزافاً مستمراً لموارد الدولة بالعملة الصعبة نتيجة الاستيراد المتواصل للأمصال والمواد الدوائية الخام من الخارج تحت وطأة الاحتكار العالمي. أما الاستثمار الأولي في إنشاء المعامل المتقدمة للكلية الجديدة، فرغم كونه يمثل عبئاً مالياً في البداية، إلا أنه يتحول على المدى الطويل إلى عائد اقتصادي وتنموي ضخم؛ إذ يحقق الاكتفاء الذاتي، ويوطن المعرفة، ويفتح الباب لتصدير المنتجات الحيوية والترياقات لجيوش المنطقة، مما يضمن عائداً استثمارياً مستداماً. - المزايا التشغيلية والتكامل مع مؤسسات الدولة
إن تطبيق هذا المقترح لا يخدم القطاع العسكري وحده، بل يمتد ليحدث قفزة نوعية في مؤسسات الدولة المدنية عبر آلية “كسر الجزر المنعزلة”. ستصبح هذه الكلية ومختبراتها المرجعية سنداً فنياً وتكنولوجياً مباشراً لهيئة الدواء المصرية وهيئة الشراء الموحد، مما يسرع من عمليات فحص واعتماد الأدوية واللقاحات المصنعة محلياً وفقاً لأعلى المعايير العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، يتيح هذا النموذج التكاملي تفعيل قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار (قانون رقم 23 لسنة 2018)، والذي يمنح الكلية الحق في تأسيس شركات ناشئة تملكها الأكاديمية العسكرية لاستغلال مخرجات البحث العلمي تجارياً. هذا التحول سيجعل من الجامعة مركزاً لإنتاج المستحضرات الحيوية والترياقات النادرة، مما يدعم الاقتصاد الوطني ويحقق عائداً ملموساً على الإنفاق البحثي.
كما أن هذا الثقل العلمي سيغير من شكل العلاقات الدولية لمصر؛ إذ سينقلها من خانة “الدولة المتلقية للمنح والمعونات الطبية” إلى خانة “الشريك الندّي” القادر على عقد شراكات استراتيجية متكافئة مع معاهد الدفاع البيولوجي العالمية وتبادل التكنولوجيا، مع فرض الأجندة البحثية الوطنية وحماية أسرار الأمن القومي. - محددات وتحديات التنفيذ (وكيفية التغلب عليها)
أمام متخذ القرار بعض التحديات التي يجب وضعها في الحسبان أثناء التخطيط لضمان نجاح المشروع: - التجهيز التكنولوجي (المستوى الثالث والرابع للأمان البيولوجي BSL-3 / BSL-4): التعامل مع مسببات الأمراض الخطيرة (كالجمرة الخبيثة أو الفيروسات الفتاكة) يتطلب معامل ذات تجهيز أمني وهندسي فائق التعقيد لمنع أي تسريب.
• آلية التغلب على التحدي: البدء بإنشاء معامل مدمجة بالمواصفات القياسية بالتعاون مع إدارة الحرب الكيماوية والخدمات الطبية بالقوات المسلحة لتوفير النفقات والاستفادة من البنية التحتية القائمة بالفعل. - استقطاب الكوادر الأكاديمية الفذة: كليات الصيدلة العسكرية المتقدمة تحتاج لعلماء وباحثين على مستوى عالمي في مجالات التكنولوجيا الحيوية وعلم السموم المعقد.
• آلية التغلب على التحدي: فتح باب الاستعانة بالعلماء المدنيين المتميزين من الجامعات المصرية ومراكز بحوث وزارتي الصحة والزراعة كـ “أساتذة زائرين” تحت إشراف وتدقيق أمني صارم، بالتوازي مع ابتعاث الضباط المتميزين للخارج لنقل وتوطين هذه العلوم الدقيقة.
توصية نهائية لمتخذ القرار
إن فتح كلية صيدلة عسكرية متكاملة التخصصات داخل الأكاديمية العسكرية المصرية هو قرار استراتيجي حتمي لا يحتمل التأجيل، إذا ما أرادت الدولة مواجهة حروب المستقبل غير المتكافئة وتحقيق سيادتها الدوائية الكاملة.
يوصى بالبدء الفوري في التنفيذ عبر إطلاق “مشروع وطني للدفاع البيولوجي والكيماوي” تشترك فيه وزارة الدفاع، وهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STDF)، ووزارة الصحة، بحيث تكون هذه الكلية المقترحة هي النواة التعليمية والبحثية والمحرك الأساسي لهذا المشروع الاستراتيجي. إن هذه الخطوة ستخرج بالتعليم العسكري من نمط التأهيل التقليدي إلى آفاق “الجامعة المشروع” التي تحمي حدود الوطن، وتصون أمنه الصحي، وتدعم اقتصاده القومي في آن واحد.










