الجزء السادس عشر: كبرياء المسافات
في تلك المدينة التي تُجيد إخفاء الحكايات خلف ضباب الصباح، كنا نسير في مدارين متوازيين لا يلتقيان. كلانا يعتصم بأقصى الجهات، وكلانا يختبئ خلف أسوارٍ عالية من الصمت والعزة. كنتُ أراه من بعيد، فأشعر أن المسافة بيننا ليست شوارع باريس الممتدة، بل أعوامٌ كاملة من العناد والكبرياء. كان يمضي كعادته، مرفوع الرأس، كأن شيئًا في هذا العالم لا يستطيع أن يهزّ يقينه، وكنتُ أمضي أنا أيضًا على حافة النأي، متظاهرةً بأن الغياب لم يترك في قلبي كل هذا الخراب.
لم يمدّ نحوي بصره، ولم أُشِع إليه التفاتتي. كأن بيننا اتفاقًا غير مكتوب على أن نكابر حتى النهاية، وأن نترك للمسافات مهمة الفصل بين روحين تعرفان جيدًا أنهما خُلقتا من الحنين ذاته. كان يحمل تيهه كما يحمل المحارب رايته الأخيرة، وكنتُ أحمل صمتي كما تحمل المدن القديمة أسرارها العتيقة.
لكن كيد المسافات كان يقتات علينا ببطء. كان يأخذ من صبرنا كل يوم جزءًا، ومن كبريائنا جزءًا آخر، حتى لم يبقَ في الداخل سوى قلبين مرهقين من المقاومة. كنتُ أقنع نفسي أنني تجاوزته، وأن الطرق التي لا تجمعنا كفيلة بأن تنسيني ملامحه، لكنه كان يظهر فجأة في تفاصيل صغيرة؛ في أغنية عابرة، أو رائحة قهوة، أو مقعد فارغ عند ضفة السين. وكان قلبي، الخائن الجميل، يشي بي كل مرة.
أما هو، فكنتُ أرى في عينيه ما لا يقوله. أرى ذلك الارتباك الخاطف الذي يمر كبرقٍ سريع كلما اقتربتُ من المكان. أرى الصمود يتشقق للحظة ثم يعود ليتماسك كأن شيئًا لم يكن. لكنه كان يخونه أيضًا، كما يخونني قلبي.
وفي مساءٍ بارد، التفتنا معًا.
لا أعرف إن كانت صدفة أم مؤامرة من الحنين. كل ما أعرفه أن الزمن توقف لثوانٍ قصيرة، وأن شيئًا في أعماقنا انقبض بقوة. هو صوب نظره نحو المغيب، كمن يبحث عن مهربٍ في آخر الضوء، وأنا سلّمت وجهي لمطلع الفجر، كمن ينتظر نجاةً مستحيلة. وبين المغيب والفجر كانت أرواحنا تتعثر ببعضها من جديد.
لم نتكلم.
فالقلوب تعرف أحيانًا ما تعجز عنه اللغات كلها.
حمل كلٌّ منا سرَّه المفضوح، أو لعلّه حمل قلبه، وأدار ظهره للآخر. ركضنا بعنادٍ معاكس، كما لو أن النجاة تكمن في الابتعاد، وكما لو أن الحب يمكن أن يُهزم بالمسافات.
لكن الليل كان أكثر صدقًا منا.
كان كثيفًا وثقيلًا، يملأ الغرف والأرواح. لا شيء يُسمع فيه سوى أنينٍ خافت يصعد من الأعماق، وشهقاتٍ متوارية تحاول أن تختبئ خلف ستائر الكبرياء. وفي مكانين مختلفين من باريس، كان قلبان يعيشان الليلة نفسها، ويكتمان الوجع نفسه، ويبكيان الدمع ذاته.
لأن بعض الحكايات لا تنتهي بالفراق.
بل تبدأ به.
ولأن بعض القلوب، مهما ادّعت القوة، تبقى معلقةً بخيطٍ رفيع من الحنين، لا تراه العيون، لكنه يشدّها إلى بعضها في كل مرة تحاول فيها الهرب.
في أوقات فراغي كنتُ أقول له دائمًا:
حدّثني عنك…
عن الطيبة التي تسكن قلبك، وعن الحب حين يكون نقيًّا، وعن الشعر والأدب، وعن شكسبير الذي كنتَ تحفظ من حكمته ما يدهشني، وعن دوستويفسكي الذي كنتَ تراه أكثر من كاتب، بل عالمًا كاملًا من الأسرار الإنسانية.
كنتَ تحدثنا طويلًا عن الوعي المتأخر، وتردد:
“في كثير من الأحيان لا ينبع الندم مما قمنا به، بل من الحقائق التي أدركناها بعد فوات الأوان.”
ثم تضيف بصوتك الهادئ:
“من أكثر ما يؤلم الإنسان أن يصل إلى الحقيقة متأخرًا.”
وكنتَ تشرح لنا أفكار دوستويفسكي كأنك عشتها، لا كأنك قرأتها فقط. حتى أصبحنا نشعر أن الأدب على يديك لم يكن كلمات تُقرأ، بل حياة تُعاش.
كنتَ مدرسة…
بل جامعة متكاملة الأركان.
نتعلم منك المعرفة، وننهل من حديثك الحكمة، ونستمتع بحضورك الذي كان يملأ المكان دفئًا وثراءً.
واليوم…
تغيب صورتك عن العين، لكنك ما زلت حاضرًا في الذاكرة، وفي الكلمات، وفي كل فكرة جميلة تركتها خلفك.
إنك ذلك الغائب الحاضر…
الذي لم تستطع المسافات ولا الأيام أن تنتزع أثره من القلوب.










