بمناسبة بطولة كأس العالم الحالية لكرة القدم، المقامة بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك .. وبعيدا عن الملاعب ومجريات اللعب والفائز والخاسر في المباريات، وما يحيط بهذه اللعبة الشعبية الأولى من إثارة وتشويق، وربما حتى شغب، على مستوى الكرة الأرضية .. وبغض النظر عن الاقتصاديات الهائلة لهذه اللعبة، متمثلة في إيرادات المباريات والإعلانات وأسعار اللاعبين والبث والمدربين والملابس والأدوات الرياضية وغيرها.. هناك الكثير من الجهد والعمل الذي يجري بعيدا عن العيون، سواء في المعامل أو المختبرات الطبية وحتى الفيزيائية.
كرة كأس العالم.. تخضع لقوانين الفيزياء ..!!
بحوث استمرت 42 شهرًا .. وروبوتات تركلها بسرعات محددة..!
تتصل بـ”الفار” لمساعدة الحكام .. في قرارات التسلل..!!
سطحها يحتوي على أخاديد عميقة .. لزيادة الخشونة!
تتفوق على سابقاتها ولكن ..
“تنقصها الدقة” .. في التمريرات الهوائية الطويلة ..!!
في كل بطولة لكأس العالم يتم تصميم كرة جديدة بألوان ومكونات مختلفة. ويتم إجراء البحوث على مواصفاتها ودقة أدائها على أرض الملعب. وقبل البطولة الحالية قام فريق من الباحثين بدراسة وتصميم الكرة الجديدة، المسماة “تريوندا”. هذه الكرة، تصنعها شركة أديداس، التي تتميز بأربع قطع أو رقع حمراء وخضراء وزرقاء، عليها أخاديد عميقة وشعارات ورقة القيقب والنسر الأخضر والنجمة لتمثيل الدول المضيفة الثلاث.
ومن خلال تجارب تسمى “نفق الرياح”، وجد فريق البحث أن الكرة تتفوق على سابقاتها في بعض الجوانب، ولكن في الركلات الطويلة، لا تصل للمدى الذي كانت تصل إليه من قبل.
يقول جون إريك جوف، عضو الفريق والباحث في فيزياء الرياضة وأستاذ الهندسة التطبيقية بجامعة بيردو: “قد تكون كرة “تريوندا” غير دقيقة، بشكل طفيف، في الركلات أو التمريرات الطويلة جدًا، لكنها تُكافئ الأداء المتقن والمسار المتوقع لها”. ويضيف: “حراس المرمى واللاعبون الذين يمررون الكرات الطويلة أو يسددون من مسافات بعيدة سيلاحظون اختلافات واضحة”.
في البدايات كانت التصميمات جمالية. تميزت كرة عام 1986برسومات معابد الأزتك لبطولة المكسيك، وحملت كرة 1994رسومات فضائية احتفالًا بالذكرى 25 لهبوط الإنسان على سطح القمر. وطرأت اختلافات هيكلية، كاستخدام لب إسفنجي مُحسّن وتحقيق مقاومة أفضل للماء. و بشكل عام، تكونت الكرات من 32 رقعة خماسية مخيطة معًا.
تغير الوضع في بطولة 2006بألمانيا، عندما تألفت الكرة من 14 رقعة فقط، تم توصيلها حراريًا بدلًا من خياطتها. ويقول جوف: “هذا التصميم منع تسرب الرطوبة في الجو الممطر، حيث كان يزداد وزنها ويصعب التنبؤ بمسارها وحركتها. ثم تغيرت أسطح الكرات تباعا وأصبح عدد الرُقَع أقل، وهي تغييرات تؤثر على مجريات اللعب.
بتحليل بيانات مسار الكرة، اكتشف جوف مبكرًا أنه يمكن استنتاج “مُعامل السحب” وهو رقم يحدد مقاومة الهواء للكرات العالية أثناء اندفاعها بسرعة معينة. بعد ذلك، بدأ العمل مع فريق باليابان لتحليل كيفية تغير حركة الكرات العالية، مع كل تصميم جديد.
“نُجرى التجارب بجامعة تسوكوبا اليابانية، ونحرص على اتساقها بمرور السنين، فالحفاظ على الاستمرارية ضروري لمقارنة البيانات الجديدة مع البيانات التاريخية”، كما يقول تاكيشي أساي، الأستاذ بالجامعة والمشارك في التجارب.
تتضمن التجارب تثبيت الكرة على قضيب معدني موصول بجهاز يُسمى ميزان القوى، الذي يقيس قوى الديناميكا الهوائية مثل السحب والرفع، عند تعريض الكرة لنفس سرعات الرياح التي تواجهها في مباراة حقيقية، من 7 – 35متر/ثانية.
يختبر الفريق الكرة في اتجاهات مختلفة، “لكن عدد الاختبارات قليل، فسعر كرة (تريوندا) 170دولارًا”، كما يقول جوف، وكل اختبار جديد يُتلفها. تُظهر التجارب كيف يتغير معامل السحب مع السرعة، ثم يكتب جوف برنامجًا يحاكي مسار الكرات العالية في الهواء.
أظهر التحليل كيف تطورت الكرات منذ الكرة “جابولاني” ذات الرقاع الثمانية في بطولة 2010. واجهت “جابولاني” انتقادات لاذعة من اللاعبين، وحراس المرمى، الذين وصفوا مسارها بأنه “ينحرف بشكل حاد”، كما قال أحد اللاعبين لصحيفة الجارديان.
كان لجابولاني عيب رئيسي واحد، وهو نعومتها المفرطة. مُعامل السحب كان منخفضًا نسبيًا عند السرعات العالية، لكن بمجرد أن تتباطأ الكرة إلى حد معين، يرتفع المُعامل بشكل كبير، فتفقد سرعتها بمعدل مرتفع. وكما اشتكى لاعبو 2010، يحدث هذا التحول المفاجئ -ويسمى أزمة الاحتكاك -عند السرعات العالية للكرات ذات السطح الأملس. وبإضافة نتوءات وأخاديد للسطح، أمكن تجنب هذا التحول عندما تقل سرعة الكرة وهذا يسمح بتحركها لمسافة أطول وبشكل أكثر قابلية للتنبؤ.
وذكر موقع تكتولوجي ريفيو أنه، وفقًا لتحليل جوف وزملائه، تمكنت التصاميم اللاحقة من تقليل مقاومة الهواء عند السرعات المنخفضة. احتوت كرة “برازوكا” في بطولة 2014على ست رقاع فقط، وكان الطول الإجمالي للغرز بها أكبر، مما يزيد خشونة سطحها. أما “تريوندا”، كرة البطولة الحالية، فتحتوي على أربع رقاع فقط، ولكل منها ثلاثة أخاديد عميقة لزيادة الخشونة. لكن، لهذه الخشونة ثمن. قد تكون مسارات الركلات الطويلة أقصر ببضعة أمتار، كما يقول جوف.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز العام الماضي أن اختبارات كرة “تريوندا”، استمرت 3.5 سنة، وتضمنت استخدام روبوتات مصممة لركل الكرة بسرعات محددة، وتجربتها في سبعة من أصل 16 ملعبًا مضيفًا.
وفي تقرير لموقع كونفرسيشن يقول جوف: “لا تُقدّم نتائجنا تنبؤًا دقيقًا لكل تمريرة أو تشتيتة أو ركلة حرة يشاهدها المشجعون. غالبًا، تدور الكرات في الهواء عند ركلها بعيدا عن مركزها. وتؤثر عوامل الارتفاع والرطوبة ودرجة الحرارة وضغط الهواء، على مسار الكرة بعد ركلها.
لا يقتصر الاختلاف في الكرة الجديدة على عدد القطع الأقل وزيادة النقوش. تحتوي “تريوندا” على تقنية أخرى تُعنى بالتحكيم. تتضمن تريوندا “تقنية الكرة المتصلة” -التي تتصل بأجهزة الكمبيوتر -لمعرفة وقت ركل الكرة، مما يُساعد في اتخاذ قرارات التسلل.
لكن البنية تغيّرت. في عام 2022، كانت وحدة القياس معلقة في مركز الكرة. أما في “تريوندا”، فتُوضع الوحدة في طبقة داخل إحدى رِقاعها، مع أثقال مُوازنة في الرِقاع الثلاث الأخرى. تُرسل الشريحة البيانات إلى نظام حكم الفيديو المساعد (VAR) ونظام التسلل شبه الآلي المُستخدم في البطولة.
يُساعد هذا التعديل الحكام، ولكن هل ستُفيد الكرة الجديدة اللاعبين أم تُعيقهم بشكل عام؟
تشير نتائج الاختبارات إلى أن الكرة لن تفاجئ اللاعبين والمشجعين بمسار مُحيِّر وغير مُنتظم.
لهذا السبب يواصل الفريق دراسة كرات كأس العالم، سواء في المختبر أو من خلال أدائها أثناء اللعب. كل أربع سنوات، يُقدّم التصميم الجديد طريقة مبتكرة لمشاهدة الفيزياء وهي تدخل اللعبة، ليس نظرياً، بل في حركة جسمٍ ينبغي على كل لاعب في أن يثق بها.










