ترسيخ محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم مكانته ، وتحويل هذه المحبة إلى منهج عملي من خلال اتباع سنته فهي
مستقاة من القرآن الكريم ، والاقتداء بأخلاقه في حياتنا المعاصرة واليومية •
مقدمة : الحمد لله الذي أرسل إلى العالمين رحمة وهداية ، واختار
من خلقه صفوة من عباده ، وجعل خاتم أنبيائه ورسله محمدا صلى الله عليه وسلم – فكان للإنسانية نورا في الظلمات ، ورحمة في القلوب ، ومنهجا للحياة ، وقدوة لا تنطفئ أنوارها مهما تعاقبت الأزمنة وتبدلت الأحوال •
- والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الذي رفع الله ذكره ، وأعلى قدره ، وأتم به النعمة ، وجعل طاعته من طاعته ، ومحبته من
كمال الإيمان ، واتباع سنته من طريقا إلى رضوانه •
أما بعد : فإن الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
ليس حديثا عن شخصية عظيمة فحسب ، ولا عن قائد من قادة التاريخ ، وإنما هو حديث عن النبي – الذي اصطفاه الله تعالى ،
والرسول الذي حمل رسالة السماء ، والإنسان الذي اكتملت فيه
مكارم الأخلاق ، والقدوة التي جعلها الله نموذجا خالدا للبشرية •
وقد صدق الله تعالى حين قال : ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا “سورة الأحزاب : ٢١ •
ومن هنا تأتي أهمية هذه المحاضرة ؛ إذ لا ينبغي أن يكون حب النبي – صلى الله عليه وسلم – مجرد كلمات تقال ، أو عاطفة تثتثار ، وإنما ينبغي أن يتحول الحب إلى اتباع ، والاتباع إلى سلوك والسيرة إلى منهج حياة •
- المحور الأول : عظمة النبي- صلى الله عليه وسلم – ومكانته العالية عند الله تعالى والناس •
أولا : اصطفاء إلهي ومكانة ربانية : اختار الله تعالى نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – من صفوة خلقه ، وحباه من الفضائل ما لم يجتمع لغيره • قال تعالى : ” الله أعلم حيث يجعل رسالته ” سورة الأنعام : ١٢٤ • وقال سبحانه وتعالى : ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” سورة الأنبياء : ١٠٧ •
فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ؛ رحمة بالإنسان ورحمة بالضعيف ، ورحمة بالفقير ، ورحمة بالطفل ، ورحمة بالمرأة ، ورحمة حتى بمن خالفه وآذاه •
- ولذلك لم تكن رسالته محصورة في قوم أو زمان أو مكان
وإنما كانت رسالة إنسانية عالمية •
ثانيا : شهادة الله تعالى لعظمة أخلاقه : ولعل أعظم شهادة في تاريخ الإنسانية قول الله تعالى : ” وإنك لعلى خلق عظيم ” سورة القلم : ٤ • تأملوا التعبير القرآني : ” لعلى! خلق عظيم ” • لم يقل : إنك صاحب أخلاق حسنة فحسب ، وإنما رفعه الله فوق
ذروة الأخلاق ، حتى صار – صلى الله عليه وسلم – نموذجا يقتدى به في الصدق والأمانة ، والعفو والحلم ، والرحمة والتواضع ، والشجاعة والعدل •
وقد قالة أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها ، حين سئلت عن خلق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” كان خلقه القرآن “رواه مسلم •
ثالثا : رفع الله ذكره ومقامه : قال تعالى : ” ورفعنا لك ذكرك “
سورة الشرح : ٤ • فمنذ أن أشرق نور الرسالة ، واسم محمد – صلى الله عليه وسلم – يذكر مقرونا باسم الله تعالى في الآذان والتشهد والصلاة والخطبة وفي قلوب المؤمنين •
- وقال سبحانه وتعالى : ” إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ” سورة الأحزاب : ٥٦ فأي منزلة أعظم أن يكون النبي – صلى الله عليه وسلم – موضع صلاة الله وملائكته ، ثم يدعو المؤمنين للصلاة عليه ؟!
رابعا : شهادات النبي – صلى الله عليه وسلم – في السنة :
قال – صلى الله عليه وسلم – أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع وأول من مشفع ” • رواه مسلم
وقال – صلى الله عليه وسلم – : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “
رواه أحمد •
فغاية الرسالة ليست إقامة الشعائر وحدها بمعزل عن الأخلاق ، بل بناء إنسان يعرف ربه ، ويصون لسانه ، ويحفظ حقوق الناس ، ويرحم الضعيف ، ويعدل مع الخصم ، ويصدق في
قوله ، ويخلص في عمله •
خامسا : عظمة النبي – صلى الله عليه وسلم – في عيون الصحابة رضوان الله عليهم والناس :
- لقد أحب الصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حبا عظيما ، لأنهم رأوا فيه الإنسان الكامل في إنسانيته ، والنبي العظيم في رسالته • قال عمرو بن العاص : ” وما كان أحد أحب إلى من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أجل في عيني منه ” رواه مسلم •
وهكذا اجتمعت للنبي – صلى الله عليه وسلم – هيبة النبوة ، وجمال الخلق ، ورحمة الإنسان • لم يكن عظيما لأنه عاش في قصر ، بل عاش متواضعا • ولم يكن عظيما لأنه جمع المال ،
بل كان أجود الناس ، ولم يكن عظيما لأنه انتصر على خصومه
فحسب بل لأنه حين قدر عفا • - ومن أروع ما قيل في مدحه – صلى الله عليه وسلم – :
قال الإمام البوصيري في قصيدة البردة :
محمد سيد الكونين والثقلين ••• والفريقين من عرب ومن عجم •
وقال أمير الشعراء – أحمد شوقي – :
ولد الهدى فالكائنات ضياء ••• وفم الزمان تبسم وثناء •
ثم يقول :
ياخير من جاء الوجود تحية ••• من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا
إنها كلمات عظيمة ، لكنها تظل عاجزة عن الإحاطة بجلال مقامه – صلى الله عليه وسلم – ؛ لأن مقام النبوة أسمى من أن تستوعبه الكلمات ، وأعظم من أن يحيط به الوصف •
المحور الثاني : أهمية اتباع رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
واقتفاء أثره والتمسك بمنهجه •
- إذا كان المحور الأول يعرفنا من هو محمد – صلى الله عليه وسلم – ، فإن المحور الثاني يسأل سؤالا مهما : ماذا صنعنا بحبنا لمحمد – صلى الله عليه وسلم – ؟ هل تحول الحب إلى اتباع ؟ هل تحولت الصلاة عليه إلى أخلاق ؟ هل تحولت دراسة سيرته إلى سلوك ؟ هل صار بيته ومدرسته وعمله يحمل شيئا
من هديه ؟ فالإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة هي معيار المحبةالحقيقية •
أولا : اتباع النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر قرآني :
قال تعالى : ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
ويغفر لكم ذنوبكم ” سورة آل عمران : ٣١ •
فجعل الله تعالى الاتباع علامة على صدق المحبة .
وقال سبحانه وتعالى : ” وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ” سورة الحشر : ٧ • قال تعالى : ” من يطع الرسول فقد أطاع الله ” سورة النساء : ٨٠ •
فاتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم – ليس أمرا هامشيا في حياة المسلم ، بل هو من صميم الإيمان •
ثانيا : السنة النبوية منهج حياة : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم – قدوة في كل تفاصيل الحياة :
في الأسرة كان رحيما ، وفي المجتمع كان عادلا ، وفي التعامل كتن أمينا ، وفي الخصومة كان منصفا ، وفي العبادة كان خاشعا ،
وفي القيادة كان مسؤولا ، وفي النصر كان متواضعا ، وفي القدرة على الانتقام كان عفوا •
وهذه هي عظمة المنهج النبوي : أنه لا يقدم لنا نموذجا مثاليا في المسجد فقط ، وإنما يقدم نموذجا للإنسان في البيت والسوق والعمل والمجتمع •
ثالثا:كيف نقتدي به – صلى الله عليه وسلم – في حياتنا المعاصرة ؟
ا – في التعامل مع الناس : قال – صلى الله عليه وسلم – : ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ” متفق عليه • وفي عصر
وسائل التواصل الاجتماعي ، تصبح هذه الكلمة النبوية شديدة الحضور • فكم من كلمة تجرح ؟ وكم من إشاعة تهدم بيتا دون التروي والتحقق من صحتها ، ففي ذلك قتل لمعنويات الإنسان
قال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على مافعلتم نادمين ” سورة الحجرات :
إن الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في عصر التكنولوجيا يعني أن نسأل أنفسنا قبل أن نكتب أو ننشر : هل يرضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن هذه الكلمة ؟
٢ – في الصدق والأمانة : كان النبي -صلى الله عليه وسلم – معروفا قبل البعثة بالصادق الأمين • ومن أعظم صور اتباعه
اليوم : أن نصدق في تجارتنا ، وفي شهادتنا ، وفي وظائفنا
وفي أبحاثنا العلمية ، وفي تعاملاتنا ، وألا نزور ، ولا نغش ، ولا نخون الأمانة • فليس من المنطق أن نقول : ” نحب رسول الله ، ثم نخالف أخلاقه في معاملاتنا ” •
٣- في تربية الأبناء : من أعظم الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – أن نربي أبناءنا بالحب قبل العقاب ، وبالقدوة قبل ألموعظة • فالأب الذي يريد ابنه صادقا يجب أن يكون هو صادقا•
والأم التي تريد ابنتها عفيفة يجب أن تكون قدوة لها في الخلق الكريم والاحتشام • مانراه من عري في الأماكن العامة شيء يندى له الجبين. هداهم الله جميعا لما فيه الخير وألهمم الصواب •
٤ – في العلم والعمل : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “
من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ” رواه مسلم • والاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم –
يعني أن يكون المسلم متقنا لعمله ، محبا للعلم ، نافعا للناس
، مؤديا للأمانة ، مستشعرا رقابة الله •
- ما رسالة هذه المحاضرة إلى الإنسان حاليا أي في وقتنا المعاصر ؟
- إن أعظم ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم ليس كثرة الكلام عن الأخلاق ، وإنما إحياء الأخلاق النبوية في الواقع •
- نحن لا نحتاج إلى أن نذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – في
المناسبات فقط ، بل نحتاج أن نراه في : صدق التاجر ، وأمانة
ألموظف ، ورحمة الأب ، وحنان الأم ، وعدل المسؤول ، وإخلاص الأساتذة ، وأدب الطالب ، وعفة الشباب ، وستر المسلم لأخيه ” من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ” رواه مسلم
وإعانة المحتاج ، والعفو عند المقدرة • وهنا يتحول حب النبي – صلى الله عليه وسلم – من شعار إلى حضارة أخلاقية • - وقفة تربوية : ليس المطلوب فقط أن نقول فقط : نحن نحب رسول الله • بل السؤال الأعمق : هل يحب. رسول الله ما نحن
عليه ؟
ليس المهم فقط أن نحفظ سيرته ، وإنما أن تحفظ سيرته أخلاقنا من الانحراف • ليس. المهم فقط أن نصلي عليه بألسنتنا وإنما أن تصلي أخلاقنا على سنته في واقع الحياة •
وليس الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – أن نقلد المظاهر
فحسب ، وإنما نعيش المنهج النبوي : الإيمان ، الرحمة ، الصدق
العدل ، العفة ، الأمانة ، التواضع ، وحسن الخلق •
خاتمة :
وفي ختام هذه الرحلة المباركة مع سيد الخلق محمد – صلى الله عليه وسلم – نقف أمام حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن قلوبنا:
- إن محمد – صلى الله عليه وسلم – لم يكن صفحة في كتاب
التاريخ ، بل كان رسالة ممتدة إلى ضمير الإنسانية •
ولم يكن عظيما في زمنه فقط ، بل بقي عظيما كلما احتاج الإنسان إلى نموذج للرحمة ، وكلما بحث المجتمع عن العدل ، وكلما عطش القلب إلى الطهر ، وكلما ضل الإنسان طريق الأخلاق •
لقد رفع الله ذكره وأعلى مقامه ، وأحبه المؤمنون ، وشهد له التاريخ ، وبقيت سيرته نورا يهدي من أراد الهداية •
فيا أمة محمد ••• إن كنتم تحبون محمدا ، فأحيوا سنته في أخلاقكم • وإن كنتم تشتاقون إلى لقائه ، فاجعلوا سيرته طريقكم
وإن كنتم ترجون شفاعته ، فاثبتوا على هديه •
وإن كنتم تريدون أن يكون لكم نصيبا من أخلاقه ، فطهروا ألسنتكم من الأذى ، وقلوبكم من الحقد ، وأيديكم من الظلم ،
ومعاملاتكم من الغش ، وبيوتكم من القسوة •
رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يأت ليملأ الكتب بسيرته وإنما جاء ليملأ الحياة بنوره ورحمته •
- وما أجمل أن نخرج من هذه المحاضرة بوصية واحدة :
اجعلوا النبي – صلى الله عليه وسلم – حاضرا في قرارتكم ، وفي
أخلاقكم ، وفي أعمالكم وفي علاقتكم بالله والناس • فإن صدق الاتباع صدقت المحبة • وإذا صلح الإنسان صلح المجتمع كله .
وصدق الله العظيم ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة “
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا من أهل سنته ، المحبين له ، المتبعين لهديه ، العاملين بأخلاقه ، واحشرنا تحت لوائه ، واسقنا من حوضه شربة هنيئة
لأنظمة بعدها أبدا . اللهم آمين يارب العالمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.










