الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

د. شمس راغب تكتب.. محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم.. عظمة القدوة وواجب الاقتداء

ترسيخ محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم مكانته ، وتحويل هذه المحبة إلى منهج عملي من خلال اتباع سنته فهي
مستقاة من القرآن الكريم ، والاقتداء بأخلاقه في حياتنا المعاصرة واليومية •

مقدمة : الحمد لله الذي أرسل إلى العالمين رحمة وهداية ، واختار
من خلقه صفوة من عباده ، وجعل خاتم أنبيائه ورسله محمدا صلى الله عليه وسلم – فكان للإنسانية نورا في الظلمات ، ورحمة في القلوب ، ومنهجا للحياة ، وقدوة لا تنطفئ أنوارها مهما تعاقبت الأزمنة وتبدلت الأحوال •

  • والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الذي رفع الله ذكره ، وأعلى قدره ، وأتم به النعمة ، وجعل طاعته من طاعته ، ومحبته من
    كمال الإيمان ، واتباع سنته من طريقا إلى رضوانه •

أما بعد : فإن الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
ليس حديثا عن شخصية عظيمة فحسب ، ولا عن قائد من قادة التاريخ ، وإنما هو حديث عن النبي – الذي اصطفاه الله تعالى ،
والرسول الذي حمل رسالة السماء ، والإنسان الذي اكتملت فيه
مكارم الأخلاق ، والقدوة التي جعلها الله نموذجا خالدا للبشرية •

وقد صدق الله تعالى حين قال : ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا “سورة الأحزاب : ٢١ •
ومن هنا تأتي أهمية هذه المحاضرة ؛ إذ لا ينبغي أن يكون حب النبي – صلى الله عليه وسلم – مجرد كلمات تقال ، أو عاطفة تثتثار ، وإنما ينبغي أن يتحول الحب إلى اتباع ، والاتباع إلى سلوك والسيرة إلى منهج حياة •

  • المحور الأول : عظمة النبي- صلى الله عليه وسلم – ومكانته العالية عند الله تعالى والناس •

أولا : اصطفاء إلهي ومكانة ربانية : اختار الله تعالى نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – من صفوة خلقه ، وحباه من الفضائل ما لم يجتمع لغيره • قال تعالى : ” الله أعلم حيث يجعل رسالته ” سورة الأنعام : ١٢٤ • وقال سبحانه وتعالى : ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” سورة الأنبياء : ١٠٧ •

فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ؛ رحمة بالإنسان ورحمة بالضعيف ، ورحمة بالفقير ، ورحمة بالطفل ، ورحمة بالمرأة ، ورحمة حتى بمن خالفه وآذاه •

  • ولذلك لم تكن رسالته محصورة في قوم أو زمان أو مكان
    وإنما كانت رسالة إنسانية عالمية •

ثانيا : شهادة الله تعالى لعظمة أخلاقه : ولعل أعظم شهادة في تاريخ الإنسانية قول الله تعالى : ” وإنك لعلى خلق عظيم ” سورة القلم : ٤ • تأملوا التعبير القرآني : ” لعلى! خلق عظيم ” • لم يقل : إنك صاحب أخلاق حسنة فحسب ، وإنما رفعه الله فوق
ذروة الأخلاق ، حتى صار – صلى الله عليه وسلم – نموذجا يقتدى به في الصدق والأمانة ، والعفو والحلم ، والرحمة والتواضع ، والشجاعة والعدل •
وقد قالة أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها ، حين سئلت عن خلق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” كان خلقه القرآن “رواه مسلم •
ثالثا : رفع الله ذكره ومقامه : قال تعالى : ” ورفعنا لك ذكرك “
سورة الشرح : ٤ • فمنذ أن أشرق نور الرسالة ، واسم محمد – صلى الله عليه وسلم – يذكر مقرونا باسم الله تعالى في الآذان والتشهد والصلاة والخطبة وفي قلوب المؤمنين •

  • وقال سبحانه وتعالى : ” إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ” سورة الأحزاب : ٥٦ فأي منزلة أعظم أن يكون النبي – صلى الله عليه وسلم – موضع صلاة الله وملائكته ، ثم يدعو المؤمنين للصلاة عليه ؟!

رابعا : شهادات النبي – صلى الله عليه وسلم – في السنة :

قال – صلى الله عليه وسلم – أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع وأول من مشفع ” • رواه مسلم
وقال – صلى الله عليه وسلم – : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “
رواه أحمد •
فغاية الرسالة ليست إقامة الشعائر وحدها بمعزل عن الأخلاق ، بل بناء إنسان يعرف ربه ، ويصون لسانه ، ويحفظ حقوق الناس ، ويرحم الضعيف ، ويعدل مع الخصم ، ويصدق في
قوله ، ويخلص في عمله •

خامسا : عظمة النبي – صلى الله عليه وسلم – في عيون الصحابة رضوان الله عليهم والناس :

  • لقد أحب الصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حبا عظيما ، لأنهم رأوا فيه الإنسان الكامل في إنسانيته ، والنبي العظيم في رسالته • قال عمرو بن العاص : ” وما كان أحد أحب إلى من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أجل في عيني منه ” رواه مسلم •
    وهكذا اجتمعت للنبي – صلى الله عليه وسلم – هيبة النبوة ، وجمال الخلق ، ورحمة الإنسان • لم يكن عظيما لأنه عاش في قصر ، بل عاش متواضعا • ولم يكن عظيما لأنه جمع المال ،
    بل كان أجود الناس ، ولم يكن عظيما لأنه انتصر على خصومه
    فحسب بل لأنه حين قدر عفا •
  • ومن أروع ما قيل في مدحه – صلى الله عليه وسلم – :
    قال الإمام البوصيري في قصيدة البردة :

محمد سيد الكونين والثقلين ••• والفريقين من عرب ومن عجم •

وقال أمير الشعراء – أحمد شوقي – :
ولد الهدى فالكائنات ضياء ••• وفم الزمان تبسم وثناء •
ثم يقول :
ياخير من جاء الوجود تحية ••• من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا

إنها كلمات عظيمة ، لكنها تظل عاجزة عن الإحاطة بجلال مقامه – صلى الله عليه وسلم – ؛ لأن مقام النبوة أسمى من أن تستوعبه الكلمات ، وأعظم من أن يحيط به الوصف •

المحور الثاني : أهمية اتباع رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
واقتفاء أثره والتمسك بمنهجه •

  • إذا كان المحور الأول يعرفنا من هو محمد – صلى الله عليه وسلم – ، فإن المحور الثاني يسأل سؤالا مهما : ماذا صنعنا بحبنا لمحمد – صلى الله عليه وسلم – ؟ هل تحول الحب إلى اتباع ؟ هل تحولت الصلاة عليه إلى أخلاق ؟ هل تحولت دراسة سيرته إلى سلوك ؟ هل صار بيته ومدرسته وعمله يحمل شيئا
    من هديه ؟ فالإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة هي معيار المحبةالحقيقية •
    أولا : اتباع النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر قرآني :

قال تعالى : ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
ويغفر لكم ذنوبكم ” سورة آل عمران : ٣١ •
فجعل الله تعالى الاتباع علامة على صدق المحبة .

وقال سبحانه وتعالى : ” وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ” سورة الحشر : ٧ • قال تعالى : ” من يطع الرسول فقد أطاع الله ” سورة النساء : ٨٠ •
فاتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم – ليس أمرا هامشيا في حياة المسلم ، بل هو من صميم الإيمان •

ثانيا : السنة النبوية منهج حياة : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم – قدوة في كل تفاصيل الحياة :

في الأسرة كان رحيما ، وفي المجتمع كان عادلا ، وفي التعامل كتن أمينا ، وفي الخصومة كان منصفا ، وفي العبادة كان خاشعا ،
وفي القيادة كان مسؤولا ، وفي النصر كان متواضعا ، وفي القدرة على الانتقام كان عفوا •
وهذه هي عظمة المنهج النبوي : أنه لا يقدم لنا نموذجا مثاليا في المسجد فقط ، وإنما يقدم نموذجا للإنسان في البيت والسوق والعمل والمجتمع •
ثالثا:كيف نقتدي به – صلى الله عليه وسلم – في حياتنا المعاصرة ؟

ا – في التعامل مع الناس : قال – صلى الله عليه وسلم – : ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ” متفق عليه • وفي عصر
وسائل التواصل الاجتماعي ، تصبح هذه الكلمة النبوية شديدة الحضور • فكم من كلمة تجرح ؟ وكم من إشاعة تهدم بيتا دون التروي والتحقق من صحتها ، ففي ذلك قتل لمعنويات الإنسان
قال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على مافعلتم نادمين ” سورة الحجرات :
إن الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في عصر التكنولوجيا يعني أن نسأل أنفسنا قبل أن نكتب أو ننشر : هل يرضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن هذه الكلمة ؟

٢ – في الصدق والأمانة : كان النبي -صلى الله عليه وسلم – معروفا قبل البعثة بالصادق الأمين • ومن أعظم صور اتباعه
اليوم : أن نصدق في تجارتنا ، وفي شهادتنا ، وفي وظائفنا
وفي أبحاثنا العلمية ، وفي تعاملاتنا ، وألا نزور ، ولا نغش ، ولا نخون الأمانة • فليس من المنطق أن نقول : ” نحب رسول الله ، ثم نخالف أخلاقه في معاملاتنا ” •

٣- في تربية الأبناء : من أعظم الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – أن نربي أبناءنا بالحب قبل العقاب ، وبالقدوة قبل ألموعظة • فالأب الذي يريد ابنه صادقا يجب أن يكون هو صادقا•
والأم التي تريد ابنتها عفيفة يجب أن تكون قدوة لها في الخلق الكريم والاحتشام • مانراه من عري في الأماكن العامة شيء يندى له الجبين. هداهم الله جميعا لما فيه الخير وألهمم الصواب •

٤ – في العلم والعمل : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “
من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ” رواه مسلم • والاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم –
يعني أن يكون المسلم متقنا لعمله ، محبا للعلم ، نافعا للناس
، مؤديا للأمانة ، مستشعرا رقابة الله •

  • ما رسالة هذه المحاضرة إلى الإنسان حاليا أي في وقتنا المعاصر ؟
  • إن أعظم ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم ليس كثرة الكلام عن الأخلاق ، وإنما إحياء الأخلاق النبوية في الواقع •
  • نحن لا نحتاج إلى أن نذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – في
    المناسبات فقط ، بل نحتاج أن نراه في : صدق التاجر ، وأمانة
    ألموظف ، ورحمة الأب ، وحنان الأم ، وعدل المسؤول ، وإخلاص الأساتذة ، وأدب الطالب ، وعفة الشباب ، وستر المسلم لأخيه ” من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ” رواه مسلم
    وإعانة المحتاج ، والعفو عند المقدرة • وهنا يتحول حب النبي – صلى الله عليه وسلم – من شعار إلى حضارة أخلاقية •
  • وقفة تربوية : ليس المطلوب فقط أن نقول فقط : نحن نحب رسول الله • بل السؤال الأعمق : هل يحب. رسول الله ما نحن
    عليه ؟
    ليس المهم فقط أن نحفظ سيرته ، وإنما أن تحفظ سيرته أخلاقنا من الانحراف • ليس. المهم فقط أن نصلي عليه بألسنتنا وإنما أن تصلي أخلاقنا على سنته في واقع الحياة •

وليس الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – أن نقلد المظاهر
فحسب ، وإنما نعيش المنهج النبوي : الإيمان ، الرحمة ، الصدق
العدل ، العفة ، الأمانة ، التواضع ، وحسن الخلق •

خاتمة :
وفي ختام هذه الرحلة المباركة مع سيد الخلق محمد – صلى الله عليه وسلم – نقف أمام حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن قلوبنا:

  • إن محمد – صلى الله عليه وسلم – لم يكن صفحة في كتاب
    التاريخ ، بل كان رسالة ممتدة إلى ضمير الإنسانية •

ولم يكن عظيما في زمنه فقط ، بل بقي عظيما كلما احتاج الإنسان إلى نموذج للرحمة ، وكلما بحث المجتمع عن العدل ، وكلما عطش القلب إلى الطهر ، وكلما ضل الإنسان طريق الأخلاق •
لقد رفع الله ذكره وأعلى مقامه ، وأحبه المؤمنون ، وشهد له التاريخ ، وبقيت سيرته نورا يهدي من أراد الهداية •

فيا أمة محمد ••• إن كنتم تحبون محمدا ، فأحيوا سنته في أخلاقكم • وإن كنتم تشتاقون إلى لقائه ، فاجعلوا سيرته طريقكم
وإن كنتم ترجون شفاعته ، فاثبتوا على هديه •

وإن كنتم تريدون أن يكون لكم نصيبا من أخلاقه ، فطهروا ألسنتكم من الأذى ، وقلوبكم من الحقد ، وأيديكم من الظلم ،
ومعاملاتكم من الغش ، وبيوتكم من القسوة •

رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يأت ليملأ الكتب بسيرته وإنما جاء ليملأ الحياة بنوره ورحمته •

  • وما أجمل أن نخرج من هذه المحاضرة بوصية واحدة :

اجعلوا النبي – صلى الله عليه وسلم – حاضرا في قرارتكم ، وفي
أخلاقكم ، وفي أعمالكم وفي علاقتكم بالله والناس • فإن صدق الاتباع صدقت المحبة • وإذا صلح الإنسان صلح المجتمع كله .
وصدق الله العظيم ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة “

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا من أهل سنته ، المحبين له ، المتبعين لهديه ، العاملين بأخلاقه ، واحشرنا تحت لوائه ، واسقنا من حوضه شربة هنيئة
لأنظمة بعدها أبدا . اللهم آمين يارب العالمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً

وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية يطمئنان على أطفال «57357» بالإسماعيلية

كتب عادل احمد بدعوة كريمة من اللواء أركان حرب نبيل السيد حسب الله، محافظ الإسماعيلية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *