يستيقظ شخص عادي في صباح يوم عادي يفتح هاتفه فيجد اسمه في كل مكان.. رسائل متتالية مكالمات لم يرد عليها صور تتداولها الصفحات ومقطع قصير من حياته أصبح حديث الآلاف. يقرأ بعض التعليقات فيكتشف أن غرباء لا يعرفونه قرروا خلال ساعات من هو، وماذا فعل، ولماذا فعل، بل وما العقوبة التي يستحقها.. لم يدخل محكمة ولم يقف أمام قاض ولم يسمع دفاعا أو مرافعة.. كل ما حدث أن مقطعا من حياته خرج إلى الناس.. وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن نتوقف أمامه قليلا: من أعطى الترند حق محاكمة الناس؟ لم يجتمع أحد ليمنح مواقع التواصل هذه السلطة ولم نكتب قانونا يقول إن عدد المشاهدات يكفي لإثبات التهمة أو إن كثرة التعليقات تستطيع أن تحل محل التحقيق أو إن الغضب الجماعي يمكن أن يصبح حكمًا نهائيا.. ومع ذلك يحدث هذا أمامنا كل يوم.. قصة تبدأ بمقطع لا يتجاوز ثواني ثم تتسع شيئا فشيئا. شخص يكتب روايته وآخر يضيف تفسيرا وثالث يطلق اتهاما ورابع يبحث عن معلومات قديمة تخص صاحب القصة وخامس يطالب بعقابه وفي وقت قصير لا يعود أحد يناقش الواقعة نفسها بل يصبح الإنسان كله هو القضية.. نحن لا نكتفي أحيانا بأن نقول: هذا التصرف خطأ.. نذهب أبعد من ذلك.فنقول: هذا الشخص سيئ.. وبين الجملتين مسافة كبيرة.. فالإنسان قد يخطئ لكنه ليس خطأه الوحيد. وقد يرتكب تصرفا يستحق النقد لكن لا يجوز أن تتحول لحظة واحدة إلى بطاقة تعريف دائمة له.. المشكلة أن الترند لا يحب التفاصيل.
الترند يحب السرعة والمشهد الصادم والجملة القاطعة والقصة التي يمكن فهمها في أقل وقت ممكن أما الحقيقة فعادة ما تكون أكثر تعقيدا.. الحقيقة تحتاج إلى سياق وشهادة، وتحقق، وروايات متعددة، وربما إلى وقت.
وهذا بالضبط ما لا تمنحه لنا منصات التواصل بسهولة قد نشاهد ثلاثين ثانية من واقعة مدتها ساعة ثم نتصرف وكأننا شاهدنا الساعة كاملة وقد نقرأ عنوانا واحدا ثم نبني عليه موقفا كاملا.. وقد نرى صورة واحدة فنقرر منها طبيعة علاقة أو شخصية أو أسرة لا نعرف عنها شيئا.. نحن أحيانا لا نحاكم الواقعة وإنما نحاكم الجزء الذي وصل إلينا منها.
وهذه واحدة من أخطر مشكلات عصر السرعة فالإنسان بطبيعته يريد قصة واضحة: مذنب وضحية، مخطئ ومظلوم، شرير وبريء.. لكن الحياة ليست بهذه البساطة دائما قد يكون في القصة ظلم حقيقي وقد يكون هناك خطأ يستحق المحاسبة وقد تكون هناك جريمة يجب أن تتدخل فيها الجهات المختصة وهذا كله لا خلاف عليه لكن هناك فرقا بين أن نرفض الخطأ وبين أن نمنح أنفسنا سلطة لا نملكها.. هناك فرق بين المحاسبة والتشهير وبين النقد والانتقام وبين إبداء الرأي وتحويل الإنسان إلى هدف مفتوح أمام ملايين الغرباء والأخطر أن العقوبة الرقمية لا تنتهي بالضرورة بانتهاء الترند.. قد تختفي القصة من الصفحة الأولى لكن أثرها يبقى في محركات البحث وفي الصور المحفوظة وفي الذاكرة وفي حياة شخص قد يدفع ثمن دقائق قليلة لسنوات طويلة قد يهدأ الناس بعد أيام.
أما صاحب القصة فقد يعود إلى بيته فيجد أن حياته لم تعد كما كانت.. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: من يعيد له ما خسره؟
من يعيد له سمعته إذا اتضح أن الرواية الأولى كانت ناقصة؟
من يمحو الكلمات التي كتبت بحقه؟ ومن يتحمل مسؤولية المشاركة في ظلم لم يكن أحد يعرف أنه ظلم؟ هذه الأسئلة لا تعني أن نصمت.. بل تعني أن نكون أكثر عدلا ونحن نتحدث.. فليس كل دفاع عن شخص تبريرا لخطئه.وليس كل مطالبة بالتثبت محاولة لإخفاء الحقيقة.. أحيانا يكون التثبت هو أقرب الطرق إلى الحقيقة.. وهناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة: أن الغضب أصبح في حد ذاته مادة قابلة للانتشار.
المحتوى الهادئ قد يمر دون اهتمام بينما الجملة الغاضبة تثير التفاعل والصورة الصادمة تجمع المشاركات والاتهام المباشر يجذب التعليقات.. وهكذا يدخل البعض في سباق غير معلن: من يكتب الحكم الأقسى؟ من يملك العبارة الأكثر إثارة؟ من يستطيع أن يجعل الناس يغضبون أكثر؟ وبمرور الوقت يتحول الإنسان من صاحب قصة إلى مادة للفرجة.
وهنا نفقد شيئا من إنسانيتنا دون أن نشعر فخلف كل صورة شخص وخلف كل اسم أسرة وخلف كل واقعة حياة كاملة لا نعرف عنها شيئا.. ولذلك ربما نحتاج إلى قاعدة بسيطة في زمن الترند: لا تجعل ما تراه أول مرة هو الحقيقة الأخيرة
اسأل قبل أن تشارك.. تحقق قبل أن تتهم.. توقف قبل أن تكتب تعليقا قد يظل في حياة إنسان أطول مما تتخيل.
لا بأس أن نغضب من الظلم بل إن الغضب في مواجهة الظلم قيمة لكن الغضب وحده لا يصنع عدالة…فالعدالة تحتاج عقلا هادئا حتى عندما يكون القلب غاضبا.. وفي النهاية ليس الترند محكمة وليس عدد المشاهدات دليلا وليس إجماع التعليقات حقيقة، وليس كل من تصدر المشهد مذنبا.. الترند يستطيع أن يخبرنا بما يشغل الناس لكنه لا يستطيع أن يخبرنا من الظالم ومن المظلوم.. وقد نختلف في الرأي وننتقد ونطالب بالمحاسبة لكن علينا أن نعرف أين تنتهي مسؤوليتنا وتبدأ مسؤولية القانون. فمن السهل جدا أن تضغط زر المشاركة.. ومن السهل أن تكتب حكما في ثوان
لكن الأصعب أن تتراجع عندما تكتشف أنك ظلمت إنسانا.
لذلك قبل أن تسأل: ماذا فعل هذا الشخص؟ اسأل أولا: ماذا أعرف أنا فعلا عن قصته؟ فقد يكون الترند قد سبق الحقيقة.
وقد تكون الحقيقة حين تصل أخيرا قد وجدت إنسانا دُفع ثمنها بالفعل.. لا تجعلوا من المشاهدة إدانة ولا من التعليق حكما ولا من الغضب عدالة.










