حين تتحدث الدولة عن مشروعات الطرق فإنها لا تتحدث فقط عن بنية تحتية، بل عن رؤية اقتصادية، اجتماعية، وسيادية معا. لأن الطرق ليست ممرات إسفلتية تختصر المسافات بل هي شرايين تنقل الرؤية من الورق إلى الواقع وتحوّل الخرائط من تخطيط إلى عمران. والمفارقة أن كلما اتسعت شبكة الطرق ، تعاظمت مسؤولية حمايتها لا بالصيانة وحدها بل بمنظومة متكاملة تحرس الاستثمار وتحترم العقل وتصون الأرواح.
مصر أنفقت المليارات لتأسيس واحدة من أكثر شبكات الطرق تطورا في المنطقة ، وربما في العالم النامي. استثمارات عملاقة ربطت العاصمة بالدلتا والصعيد والمدن القديمة بالمدن الجديدة والموانئ بالمناطق الصناعية. لكن السؤال الصعب الآن: هل تحوّلت تلك الطرق إلى قيمة مضافة حقيقية في حياة المواطن؟ أم أن بعض التشوهات اليومية تُفرغها من معناها؟
في كثير من الأحيان يفقد الطريق وظيفته عندما يُترك بلا حماية ويُدار بلا عناية ويُستخدم بلا وعي. حين تُترك المطبات العشوائية لتتحول إلى مصائد وتُردم الحفر بالتراب بدلا من الأسفلت ، وتغيب الصيانة الوقائية لصالح التدخل بعد الكارثة فإن البنية التحتية لا تُستهلك فقط بل تُهان ومعها تضعف الثقة في قدرة الدولة على إدارة ما تبنيه.
الطريق بطبيعته لا يحمي نفسه. ولا قيمة له إن لم تُوضع له قواعد حماية صارمة تُلزم الجميع من الدولة إلى المواطن. الحماية لا تبدأ من غلق الحفر بعد وقوع الحوادث بل تبدأ من فلسفة التخطيط التفاعلي أن تراقب، أن تتوقع، أن تمنع، وأن تردع كل عبث يمكن أن يهدد أمن الطريق أو يُهدر استثماره.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من عقلية “الترميم بعد الانهيار”، إلى عقلية “الحماية قبل الخطر”. أن نعتبر أن أي حفرة عميقة هي قضية أمن قومي ، وأن أي مطب خارج المواصفات هو مشروع جريمة مستقبلية ، وأن أي مواطن يحفر طريقا أو يعبث به دون ترخيص هو يعتدي على السيادة العامة ، لا على قطعة من الإسفلت.
كما أن تعدد الجهات المسؤولة عن الطرق – من وزارة النقل إلى المحليات ، ومن المقاولين إلى الشرطة – أفرز فراغا إداريا لا يقل خطرا عن الفراغ على الأسفلت نفسه. فحين لا تكون هناك جهة موحدة تُنسق وتراقب وتتحمل المسؤولية الكاملة تتحول شبكة الطرق إلى كيان بلا رأس. والنتيجة: تهالك سريع، تكلفة مضاعفة، وحوادث متكررة بلا حساب.
والأخطر من ذلك أن بعض الشركات المنفذة لا تزال تتعامل مع مشاريع الطرق باعتبارها أعمالا مؤقتة قصيرة الأجل تنتهي صلاحيتها بانتهاء التوقيع على محضر التسليم. وكأن العمر الافتراضي للطريق لا يهم ما دام العُقد قد أُنجز والمستخلصات صُرفت. لذلك يجب أن تُعاد صياغة العقود بما يُلزم الشركة بالصيانة الدورية لسنوات ، والتعويض حال وجود خلل ومواجهة القانون إن ثبت الإخلال بالمواصفات. فكل حفرة تُخلّفها شركة هي حادث ينتظر أن يقع وضحية تبحث عن توقيت فقط.
المعادلة الأهم هي أن الحفاظ على الطرق لا يقل أهمية عن بنائها. فالدولة التي تتباهى بطول شبكاتها لا يمكن أن تتساهل مع أي خلل فيها ولو كان موضع قدم. بل يجب أن تتعامل مع الطريق كما تتعامل مع منشأة حيوية: كاميرات مراقبة، غرف عمليات استجابة، إنقاذ سريع، أجهزة استشعار، وحضور دائم لفرق الطوارئ.
ولعل أهم نقطة هي وعي المواطن. لأن الطريق لا يعيش فقط بقانون أو كاميرا بل بحاجة إلى مواطن يرى أن تخريب الطريق خيانة وأن وضع مطب عشوائي جريمة وأن البناء فوق نهر الأسفلت هو عدوان على سلامة المجتمع بأكمله. فثقافة احترام الطريق لا تُولد من اللافتات بل من التربية، ومن عدالة القوانين ومن الإحساس بأن الدولة تحمي ما تصنع وأن كل إنسان له دور في تلك الحماية.
إن الطرق ليست رفاهية بل اقتصاد، وسلامة، وكرامة. هي الوجه الذي تُطل به الدولة على نفسها كل صباح، فإذا كان مشوها بدا الوطن كله مُتعبًا حتى وإن زينته واجهات المدن. وحين تُترك الطرق للحفر والمطبات والعبث فإن الثقة تتآكل مثلما يتآكل الإسفلت تحت العجلات.
المطلوب إذا ليس مجرد حملة صيانة ، بل فلسفة جديدة في التعامل مع البنية التحتية: فلسفة ترى أن الطريق ليس مشروعا ينتهي بالافتتاح بل يبدأ به. وأن الطريق ليس مظهرا حضاريا فقط بل اختبار دائم للدولة، وللقانون، وللضمير.










