لم ترتكب إسرائيل يومًا جريمةً من جرائمها، ولا فاحشةً من فواحشها، ولا كبيرةً من كبائرها إلا بالقانون، ولمَ لا؟! فهي -وكما صدّرته للعالم عبر آلتها الإعلامية الهائلة- دولةُ قانونٍ، لكنه قانونها الخاص بها وحدها، دون قوانين باقي خلق الله. إذ تراها تحدد سرقتها أولًا، ثم تضع لها القانون ثانيًا، ثم تعمل من فورها على تنفيذه، وإقراره. قانونٌ يُقرّه الكنيست، وآخر يُقره المجلس الوزاري، وثالث يُقره مجلس الوزراء الأمني المصغر ( الكابينت)، ورابع بقرار مباشر وفوري من رئيس الحكومة وفق قانون الأمن القومي، إلى آخرها من قوانينها الخاصة بها وحدها، وفق فهمها ومنطقها القانوني الخاص بها، إذن كله بالقانون.
اليوم، يُقر الكنيست (وبعدد 71 صوتًا مقابل 13 صوتًا فقط) قرارًا يدعم الحكومة بضمّ الضفة الغربية وغور الأردن للسيادة الإسرائيلة. وهنا أذكر أيضًا، أنه وفي يوليو (2018م)، قد أقرّ الكنيست الإسرائيلي كذلك يهودية الدولة الإسرائيلية كوطنٍ قوميّ لليهود وحدهم، دون غيرهم. وفي يوليو (2024م)، وبأغلبيةٍ شبه مطلقةٍ باستثناء الكتلة العربية وتأييدٍ في صورة انسحابٍ من جلسة التصويت لحزب لابيد المعارض -لزوم الشو- أقرّ الكنيست رسميًّا مشروع قرارٍ يرفض إقامة دولة فلسطينية؛ إذ رأى في إقامتها خطرًا وجوديًّا على إسرائيل. هذا فضلًا عن قانون يُقرّ سيادتها على الجولان، وغير ذلك. قراراتٌ ليست مفاجئة كلها، وإنما جاءت لتصدّق على واقعٍ ملموسٍ عملت إسرائيل فعلًا على بلوغِه وإقراره منذ عقودٍ، غير أن جديدها الآن هو قطعُ الطريق ونهائيًّا على أية أحلامٍ في هذا الإطار، وإذعان الجميع لذلك. وسواء، صدقت في ذلك أم لا إلا أنها، وفي الأخير، لا تفعل شيئًا إلا بالقانون، بعد أن تُروّج له عبر أبواقها.
ولأن إسرائيل وحدها -ومعها أمريكا طبعًا- دولة القانون، وتفهم وحدها -وأمريكا- ماذا يعني القانون؛ لذا فكلّ المنظمات الدولية والقرارات والأحكام الدولية الفاضحة لها، ولجرائمها، وإبادتها الجماعية البربرية بحق الفلسطينيين، إنما هي منظمات معادية للسا مية، وداعمة للإرهاب، ومتواطئة مع حماس، وضد ديمقراطيتها هي، إلى آخره من صدق وفهم وعقل وحق تتمتع به وحدها، دون خلق الله، ومعها أمريكا طبعًا. لذا، لم يكن غريبًا تصريح جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمر يكي الأسبق، أمس عندما وصف كل أفعال إسرائيل في غزّة بأنها قانونية.
لكن، هل إسرائيل دولة قانون، وحسب؟! لا، بل هي دولة إنسانية، أيضًا، ويشهد لها العالم بذلك؛ إذ إنها لم تقصف مستشفى ولا مدرسة ولا دار عبادة (مسجدًا أو كنيسةً) ولا مخيمًا للاجئين إلا بعد أن أعلنت للعالم أنها تحارب فقط عناصر حماس الإرهابية، وأن روايتها فقط هي الصادقة، وكل ما عداها من رواياتٍ وتقارير، حتى الأممية والحقوقية الدولية والرسمية منها، كاذبة. لم تدمر كامل القطاع على رأس ساكنيه، ولا مجمّعًا سكنيًّا ولا مربعًا ولا مخططًا ولا حتى حيًّا بأكمله ولا غير ذلك إلا بعد إنذاراتٍ ومنشوراتٍ ونداءاتٍ بالإخلاء الفوري، إذ باتت منطقة عمليات عسكرية، وأنها باتت خطرًا على حياتهم، كل ذلك قبل قصفها وتدميرها لها بوقتٍ كافٍ، فقط دقائق معدودةٍ، وربما ثوانٍ. إنسانية تنفرد بها وحدها؛ الأمر الذي رأى فيه أحدُ محلّليها يومًا -وعبر لقاء في بي بي سي- قمّة الرحمة منها والإنسانية، والحرص على حياة المدنيين إذا قُورن ذلك بفعل إيران، والتي لم تأبه لحياة المدنيين الإسرائيليين بإطلاق صواريخها عليهم، وفي أوقاتٍ متغيرة وغير ثابتة فأسقطت العديد منهم، قتلى وجرحى. فنِعمت إنسانية إسرائيل.
وفي إنسانيةٍ لا حدّ لها، أقامت هي مراكز إنسانية لتقديم الطعام لسكان غزة، وأشرفت هي بنفسها تواضعًا منها مع جناحها الملائكي الآخر أمر يكا، لنيل شرف ذلك، بعيدًا عن مراكز الأمم المتحدة، والتي اكتشفت تواطؤها ادّعاءً مع حماس. ولم تكتف إنسانيتها عند هذا الحدّ بل راحت تقنصهم وتقتلهم بالمئات، حتى ثانيته وتاريخه، وبطريقة عشوائية، لتضع حدًّا لمعاناتهم وآلامهم وأوجاعهم، وجوعهم وعطشهم، وترحمهم من شرّ هذه الحياة الدنيا. في مشاهد لم تعرف البشرية أقبح ولا أفدح منها، حدّ وصف مراكز الطعام تلك بأنها كمائن ومصائد للموت.
ولأن إسرائيل دولةُ قانونٍ وإنسانيةٍ فإنها -كذلك- دولةٌ شديدةُ الأدبِ والذوق؛ فلا تراها أبدًا، ولن، وفى أي محفلٍ دولي، لاسيما مجلس الأمن عند الجِدّ والخطر والتصويت، ومن ثَمّ اتخاذ قرارٍ، أول المتحدثين، بل آخرهم؛ إذ يأتي حديثها دومًا تاليًا على حديثِ شاكيها، ولم يُعهد -فيما أعلم وأرصده- خلاف ذلك. وليس هذا عن أدبٍ ولا ذوقٍ، كما ذكرتُ، وإنما عن خبثٍ منها ودهاءٍ لا حدّ له؛ إذ تعلم يقينًا أن آخر ما يُسمع يَعْلَقُ بالذاكرة، ويأتي على كثيرٍ من سابقه. ولعل في جِلسة مجلس الأمن أمس، وبعد حديثٍ للسفير رياض منصور مندوب فلسطين -بالإنجليزية- شديد التركيز والتأثير في آنٍ، ومجيء حديث مندوب إس رائيل داني دانون، والذي شرّق فيه وغرّب، من رفض حماس لمقترحات الهدنة، ثم حديثه عن حزب الله وإيران والحوثي، إلى غير ذلك من حديثٍ فضفاض وعام، وكأن المنطقة هي التي تتكالب على إسرائيل، وليست هي، بجرائمها الشاهدة عليها، وبقراراتٍ دوليةٍ رسميةٍ.
لنخلص إلى أن إسررائيل دولة لا تُعير القانون الدولي، ولا قرارات المنظمات والهيئات الدولية، ولا حتى أبسط حقوق الإنسان في الحياة، كِسرة خبزٍ أو شربة ماءٍ، أي وزنٍ أو اعتبار. بل أكثر من ذلك فإنها تمارس أبشع صور الفصل العنصري، والإبادة الجما عية، وحرب التجو يع، في التاريخ.










