ولأننا نحيا في عالم متغير، لا يثبت يومًا على حال، يزداد شعور الأنقياء فيه بالغربة والشتات، يدورون في متاهات دروبه، ويعودون مثقلين بالأعباء، يسبحون على غير هوى أنفسهم في بحار تقلّبه، تجذبهم دواماته ثم تلقي بهم في غياهب الظلم والظلمات، ترتبك خطواتهم أكثر كلما خطّط أشرار العالم لغرس المزيد من الفرقة بهدف جني ثمار الجدل والأحقاد، وكلما سعوا لتحقيق أهدافهم الخبيثة، تعهّدوا بالإيقاع بالكثير من هؤلاء الأنقياء، لقد دأبوا على ذلك باستمرار وبلا انقطاع.
يواظب أشرار العالم على رفع غطاء أمننا عنا، قاصدين إرهابنا وإزعاجنا وطمس هويتنا والإجهاز علينا وعلى رصيد سعادتنا، يدعوننا لاعتناق كل ما يروّج لقواعد الاختلاف، مبررين ذلك لأتباعهم، ويقسمون على أن هذا هو الصواب وأنه هو المعنى الحقيقي للحياة، يفرضون باطلهم، معللين ذلك بأن كل هجوم وحشي منهم إنما جاء بقصد الدفاع.
عالمنا يستمد نظرياته من أوهام سكنت عقولًا هامدة يدوي بها الفراغ، عقول دفعتها رجعيتها للتمسك بأفكار هيمنة بالية، يساندها شعور من تكبر واستعلاء، حوّلت حكايات ظلمها قصصًا دارت بها في الطرقات، روّجت لها لكي تقضي بظلال خداعها على جميع الثقافات، صاغتها بكلمات اكتست بصبغة دينية لتثير التعاطف مواجهةً بها أي فكر مضاد وأي نقد بناء.
قلبت نظرياته الحقائق وأخسرت الميزان، ونفّذت ما تصبو إليه بحرفية المخادع المجتهد في خداعه، الذي يصدره ليملأ به صدور البسطاء. عالمنا يتحدث عن إنسانية غائبة، يستبيح حقوق الآخرين، يركض وراءها ليستحلها ثم يركلها، ويدوسها بالأقدام، تعكس مشاهده العبثية فكرة القضاء على ما تبقى للإنسانية من أمنيات، بالإمعان في خلق مناخ مضطرب لا يترك المجال لمبادئ محبة أو سلام.
يسعى بانتظام لاختطاف الأحلام، ويحوّلها بردّات فعله المبالغ فيها إلى أهوال، إلى دمار وحطام، يزين بمعطيات باطله لكل نفس هشة هواها، يغويها، ويشجعها على اتباع نهج التشدد، واحتضان منهاج التطرف، والسير دومًا عكس التيار.
قام عالمنا بتمجيد مسارات ظلمه، وسارع بفتح الأبواب ليدخل منها كل من ضعفت نفسه وخارت قواه فسكن ساحات الظلم والاضطهاد، ساند أهل الشر، ودعمهم وحثّهم على نشر الجهالة التي ألبسها رداء التقوى وفرّغها من كل محتوى للعقل والإدراك، وقام بطمس الوعي حين غشاه بهالة من نيران، ومنحها قدسية لا يجرؤ أحد أمامها على اعتراض أو انتقاد.
تسابق المحتالون في خلق مناخ تعمه الفوضى، وهيّأوا العقول لاستقبال المزيد من هذا الكذب والهراء، ونجحوا في خلق جيل جديد رافض لكل شيء، بعد أن أقنعوه بأن البدايات لا تختلف عن النهايات.
عالمنا المشوش أصبح مريضًا يعاني من نوبات الهذيان، إنه يروّج لتقليد أعمى، ويسعى لتفتيت فسيفساء الهوية، ويتعمد القضاء على معاني الانتماء، لقد نجح في بعض الأحيان في جذب الحمقى إليه، هؤلاء الذين ظنوا أنهم بخير وعلى ما يرام.
علينا ألا نترك هؤلاء يمرون هكذا دون نصح منا لهم أو إرشاد، علينا أن نحذرهم من ذلك التقديس الذي يأمر بإلغاء الوعي والإدراك، واجبنا أن ننزع تلك الهالة، ونبصرهم بحقيقة الأمور، ندعوهم للتوقف عن الانسياق خلف شعارات جوفاء، تدمج كل صالح من الخصال بآخر ينشر الفوضى، ويمكن لنشر أسوأ الأخلاق والسلوكيات.










