لأيام معدودة قررت أن أتوقف طوعيا عن الكتابة اليومية لاعتلال صحتي ووفق نصيحة طبيبي الخاص، وكان قرارا صعبا، شديد الوطأة على نفسي .
قسوت على نفسي، واعتذرت لأسرة “المصري اليوم” عن عدم الكتابة، ولم أجد منهم سوى رفضا محببا لقرار شخصي لظرف شخصي ، مع الاحتفاظ بمساحتي في الحفظ والصون لحين العودة .
كبيرنا ، كبير عائلة ” المصري اليوم” ، العم “صلاح دياب”، بخبرته الحياتية العريضة نصحني بالراحة المؤقتة إلى حين عودته من سفرته، سيكون هناك حكي آخر ..
ما بيني وبين العم صلاح أعمق من قرار عابر في لحظة غير مواتية ، مساحات الإنسانية التي يختزنها الكبير للمحبين لا توصف بالكلمات المجردة .
أعراض الانسحاب من الكتابة رهيبة، تشبه أعراض الانسحاب من الإدمان، إدمان الكتابة لا يوصف بالكلمات، وعلاجه الناجع الكتابة، كل يوم يمر بدون كتابة تغشاه كآبة ، وكل صباح يشرق دون وصال مع “الورق والقلم ” تعتريني وحشة، كالتي عبرت عنها كلمات أغنية “عودت عيني” لطيب الذكر “أحمد رامي” بألحان العبقري “رياض السنباطي” بصوت كوكب الشرق ” أم كلثوم” ، ” ان مر يوم من غير رؤياك..ان مر يوم من غير رؤياك
ما ينحسبشى .. ما ينحسبشى من عمرى”.
ما خلاصته إن جاز التعبير ، شوق عارم، وحنين جارف، وحشة ، ما يعبر عنه شاعر النيل ” حافظ إبراهيم ” كَم ذا يُكابِدُ عاشِقٌ وَيُلاقي .. “
المحبون تحفظوا على قراري بعدم الكتابة، وانهالت الاتصالات خشية حدوث مكروه، وبغض الماكرين ذهبوا بعيدا في تفسير الغياب، لهم فيها مآرب أخري .
ما أمكن حاولت الابتعاد عن كل ما يؤلم، وعن كل ما يزعج، والبعض مزعجون، يؤولون ما لا يحتمل تأويلا .
تركت نفسي تحدثني بصدق، واستخرت كما نصحتني من كانت في منزلة أختي الكبيرة، وكانت العودة الطوعية، وكتبت هذه السطور وأنا جد مفعم بالأحاسيس المتدفقة على شاشة الحاسوب .
الكتابة عند بعض الأحباب مهنة، مهنته الكتابة، محترف كتابة، يكتب لأنه يكتب كاتب كتوبة، وعند البعض الكتابة هواية، وأحب الهواة لأنهم يكتبون ما شاء لهم وشاء الهوى دون التزام يستبطنه المحترفون، كتابتهم طازجة، ليست من قبيل الواجب الثقيل.
حالتي ربما غير، شغف عارم بالكتابة، عشق للحروف، الكتابة بالنسبة لي حياة، وأسمى منشورا يترحم ” على قيد الحياة ” .
لم أعشق سوى الكتابة، وبداخلي عشق مستدام، مستبطن في الحنايا، حالة لا يعرفها سوى العاشقين، والعاشقين في عشقهم مذاهب .
آلام عدم الكتابة لا تترجمها كلمات، لا تعالجها سوي الكتابة ، وكما قال أبو نواس في محكم قصيدته ، ” دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ .. وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ ” ..
ربما هذا الحكي يبدو غريبا، ولكن هذا ما أنا عليه، الكتابة أكسير حياتي، تطيل عمري، لا أشبع كتابة، ولا أنام سوى على وقع كلمات مكتوبة، وأصحو لأكتب، وأنام على وعد بالكتابة، أكتب صاحيا ونائما، أكتب وكأنه آخر زاد في عمري، أكتب لأني أشبع غريزة أساسية، مفطور على الكتابة .
هل هذا كاف لأكتب من جديد، كاف وها أنا أكتب، و أتمتم الحمد لله على نعمة الكتابة، الكتابة نعمة واللي يرفضها يعمى، الكتابة بالنسبة لي حياة، وها أنا أعود للحياة، ومعذرة على عدم الكتابة لأيام مضت، وربنا ما يحرمنا من نعمة الكتابة .










