إن النجاح في تنظيم جولة إعادة شفافة ونزيهة، حيث يتنافس المرشحون بقواعد متساوية، هو تأكيد على أن الدولة الحديثة تستمد شرعيتها من شعبها، وأن القيادة الرشيدة هي التي تضع إرادة هذا الشعب فوق أي اعتبارات أخرى، ليبقى مجلس النواب المعبر الحقيقي عن آمال وتطلعات الأمة.
أن الأحزاب السياسية مطالبة بالتفاعل الجاد مع ما طُرح في كلمة الرئيس، من خلال تكثيف التواصل مع المواطنين، وطرح برامج واقعية، وتقديم نماذج قادرة على تحمل المسؤولية تحت قبة البرلمان. أن الدولة ماضية في تطوير آليات إدارة الانتخابات، وتوسيع استخدام التكنولوجيا، وتعزيز الشفافية، بما يرفع ثقة المواطنين ويعزّز مكانة مصر في محيطها الإقليمي والدولي. ن الدولة لن تسمح بوجود أي شبهة تمس مصداقية الانتخابات، والتأكيد علي ثقة القيادة السياسية وتمتعها بالاستقلالية الكاملة لإدارة العملية الانتخابية من بدايتها وحتى إعلان النتائج، وفق أعلى المعايير القانونية والمهنية وهذه الرسالة تساهم في خلق بيئة انتخابية منضبطة يشعر فيها المواطن بقيمة صوته وأن مشاركته مؤثرة في رسم الخريطة السياسية للبلاد.
لا وجود لممارسة ديمقراطية من دون وجود انتخابات نزيهة، هي قاعدة لا اختلاف بشأنها في أدبيات دراسة عملية الدمقرطة أو التحول الديمقراطي. فالانتخابات هي التي تخوِّل المواطنين ممارسة حقهم في اختيار الحكام الذين يحكمون باسمهم، وأعضاء المؤسسات التمثيلية الذين يمثلونهم. وإذا كانت الانتخابات بذلك، مؤشراً جوهرياً لقياس درجة الديمقراطية –
من حيث هي المصدر الذي يستمد منه النظام السياسي مشروعيته، وهي الضامن لمشاركة المواطنين في صنع القرار وصياغة السياسة العامة – فإن أنظمة الانتخابات لا بد من أن تكون تبعاً لذلك، مؤشراً فعلياً وفعالاً في آن واحد لتقييم مستوى الأداء الديمقراطي وجودة الديمقراطية، وفي ديمقراطيات الموجة الثالثة الناشئة خاصة، مؤشراً حقيقياً لقياس إرادة تلك الأنظمة في الإصلاح السياسي، ومعياراً لقياس كفاءة، جودة واستمرارية التحول الديمقراطي.
إن أهمية النظام الانتخابي تتجاوز كونه الوسيلة الإجرائية لتنظيم نتائج الانتخابات، نحو الأهمية السياسية في تنظيم المؤسسات السياسية، تحديد شكل الحكومات وطبيعة الأنظمة الحزبية، وكل ما تعلق بقضايا إدارة الحكم على نطاق واسع؛ لأن تصميماً معيَّناً لنظام انتخابي ما، ينتج منه ما يتجاوز ترجمة أصوات الناخبين إلى مقاعد نيابية، إلى مسائل التمثيل الجغرافي والاثني وتمكين المرأة وتشجيع أو تعطيل العمل الحزبي ودور المعارضة – لذكر أهمها – .
هذا ما من شأنه أن يعطي الصدقية للفرضية المقترحة التي تربط ما بين النظام الانتخابي والديمقراطية، وبالتالي ما بين إصلاح النظام الانتخابي والإصلاح السياسي. سيتم وضع هذه الفرضية على محك الاختبار ، من خلال مناقشة التغيير المستمر في شكل النظام الانتخابي كنموذج لديمقراطية ناشئة، عبر طرح التساؤل التالي: هل التغيير المستمر في النظام الانتخابي يجعل منه وسيلة لتوجيه الإصلاح السياسي، بدل أن يكون أداة لتنظيم العملية الديمقراطية؟
ترتبط نزاهة الانتخابات بالعديد من الأمور المتصلة بالتدخل المادي أو المعنوي أو كليهما، من قبل أطراف العملية الانتخابية، للتأثير في مجمل هذه العملية. ويمكن القول بدايةً إن الأساليب السابقة التي كان يتم بها تزوير إرادة الناخبين من تلاعب في تقسيم الدوائر وسجلات الناخبين وأعمال الاقتراع والفرز وغيرها، إبان العهود السابقة لم يعد لها وجود اليوم في مصر،
وهو أمرٌ يُحسَب للدولة وللجهة القائمة على إدارة الانتخابات. فقد أثمرت عملية تقسيم الدوائر في انتخابات 2025 رغم صعوبتها الجمة في مصر، بسبب عدم تناسق التوزيع السكاني مع الرقعة الجغرافية، عن تقسيم أكثر رقياً وعدالة ونزاهة، وهو أمر يحسب بالـتأكيد للحكومة وللتشريع الذي قدمته للبرلمان ليسنه في هذا الصدد.
ومن ناحية أخرى، كان للرقابة على نزاهة العملية الانتخابية من خلال مؤسسات المجتمع المدني المصرية والدولية أثرها المهم في متابعة الحدث ومدى سلامته قبل وأثناء وبعد عملية الاقتراع، وهي جميعها رغم ملاحظاتها الكثيرة لم تشكك في النزاهة العامة للعملية الانتخابية. لكن الأمر بدا فقط مقلقاً بسبب الإجراءات والاشتراطات الكثيرة والمانعة من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات لكثير من المؤسسات التي كانت ترغب في المتابعة.
مقابل هذا، ظهر بعض النكوص الذي اعتبر البعض أنه ينال من النزاهة، إذ تم استخدام وسائل بدت مشروعة فقط من حيث الشكل، وذلك عبر آليات للتحكم في شكل وحجم العضوية في مجلس النواب، من خلال تشريع يتيح نظاماً انتخابياً هو النظام الأغلبي عبر القائمة المطلقة والأسلوب الفردي، بنسبة 50% لكل منهما. وأسلوب القائمة المطلقة، الموجود في أربعة نظم سياسية فقط حول العالم، يسمح بإضافة الأصوات التي حصلت عليها القائمة/القوائم التي نالت 49% إلى القائمة التي نالت 51% أو أكثر، ما يعتبره كثيرون أمراً مانعاً للمعارضة من التمثيل.
وإضافة للتشريع، بدا التدخل في سير إجراءات التقدم للترشيح أمراً مهماً في تلك الانتخابات، لأن ترتيب التقدم للترشيح يترتب عليه تحديد أولوية كتابة المرشحين في ورقة الاقتراع. وقد لاحظ البعض من المتابعين للعملية الانتخابية وجود تدخل لإبراز مرشحي مستقبل وطن في أولوية الترشيح، وبالتالي في ورقة الاقتراع، ويذكر هؤلاء أنه ضمن الـ284 مقعداً المطلوب انتخابها بالشق الفردي كانت أولوية الأسماء للمنتمين لحزب مستقبل وطن 227 مرة، يليه حزب الشعب الجمهوري بمقدار 34 مرة. تعد المشاركة في الاقتراع في الانتخابات واحداً من أهم المؤشرات الدالة على شرعيتها، أي مقبولية الناخبين لها ورضاهم عنها.
وتحتاج المشاركة في التصويت حتماً لعديد الإحصاءات الخاصة بعدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت، والمقترعين، والأصوات الصحيحة والباطلة على مستوى الدوائر الفردية، ومستوى كل قطاع من القطاعات الأربعة في نظام القوائم، كما على مستوى المحافظات المختلفة. لكن هذه البيانات لم تعلنها الهيئة الوطنية للانتخابات، كما كانت تفعل اللجنة العليا للانتخابات في السابق، ما يجعل تحليل المشاركة منقوصاً بعض الشيء.
وقد تعرّض الإطار القانونيّ المنَظّم للانتخابات البرلمانيّة في مصر لانتقاد معظم القوى السياسيّة بسبب محافظته الشّديدة على فلسفة عهد مبارك، إلا أنّ معظم هذه القوى اضطرّ إلى الموافقة على الدّخول في المعترك الانتخابيّ تحت هذه القواعد، حتى يفوّت الفرصة على من يدفع باتّجاه بقاء العسكر في السلطة لفترة زمنيّة طويلة، قد تتحوّل إلى هيمنة دائمة على مراكز صنع القرار. يضطلع مجلس النواب بدور محوري بصفته السلطة التشريعية. وعندما يذهب المواطن إلى صناديق الاقتراع، فإنه لا يختار شخصاً فحسب، بل يحدد الرؤى والبرامج التي ستشكل مستقبل البلاد التشريعي والرقابي. جولات الإعادة، تحديداً، تُمثل الاختبار الأصعب للديمقراطية، حيث يتم فرز الأصوات بعناية فائقة بين مرشحين متقاربين،
لتأكيد أن كل صوت له وزنه وحسمه في تحديد المقعد البرلماني. الالتزام بالحياد التام للمؤسسات الإدارية والرقابية خلال هذه الجولات هو الضمان الأساسي لثقة الناخبين في سلامة العملية برمتها. لا تقتصر أهمية العملية الانتخابية على التنفيذ الفني للقانون، بل تمتد إلى دور القيادة السياسية للدولة في توفير المناخ الملائم للشفافية والنزاهة.
إن تصريحات القيادة الداعمة لمبدأ “صوت الناخب هو الفيصل”، والضامنة لحيادية أجهزة الدولة تجاه جميع المرشحين، تعد رسالة قوية تؤكد أن المؤسسات تعمل لخدمة الإرادة العامة لا خدمة توجهات خاصة. تمثل إرادة الشعب بوصلة التنمية والتقدم. فعندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع ومؤثر، تتزايد لديه الرغبة في المشاركة الفعالة، ويتعمق لديه الشعور بالمسؤولية تجاه بناء الدولة. وفي المقابل، فإن أي شعور بالتدخل أو التوجيه قد يُفقد العملية الانتخابية قيمتها الجوهرية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










