لا يوجد على وجه البسيطة من لم يتساءل: «لماذا كشر ترامب -المتطلع لنوبل للسلام- عن أنيابه في فنزويلا، ووزع التهديدات «سنضم جرينلاند، سنضرب إيران، سنفعل مع كولومبيا وكوبا ما فعلناه مع فنزويلا..»، الكل حاول الاجتهاد في الإجابة، لكن الحقيقة أعقد كثيرا مما يظن البعض.
ترامب أكد لجنرالات الجيش الأمريكي خلال اجتماعهم بفرجينيا سبتمبر 2025، أن المرحلة القادمة ستشهد تفعيل شعار Make America Great Again بتثبيت النفوذ والهيمنة الامريكية على عدة بقاع في العالم، مما يفرض الاستعداد لحروب خاطفة، لا تقيدهم فيها اعتبارات القانون الدولي، ولا حصانة الأنظمة، أو سيادة الدول، الأولوية المطلقة لانتشال واشنطن من أزماتها الاقتصادية والمالية، والعودة كأعظم قوة في العالم، دون منافس لعقود قادمة.
البيت الأبيض أعلن «إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة» ديسمبر 2025، هاجم فيها أوروبا في سابقة ملفتة؛ وطالبها بالدفاع عن نفسها، وشكك في جدوى توسع حلف «ناتو»، وأن أميركا لن تبقى «مظلة مفتوحة» بلا شروط على قاعدة أن «من يدفع أكثر يحظى بالتزام أقوى»، ملمحا للتدخل في شؤونها الداخلية بإشارته إلى أن «تنامي نفوذ الأحزاب الأوروبية الوطنية يدعو للتفاؤل»، وأن واشنطن ستساعد أوروبا على «تصحيح مسارها»، ما يعكس نية تغيير الأنظمة، وأكدت الاستراتيجية الجديدة سيادة أمريكا على النصف الغربي من الكرة الأرضية، ومنع أي منافس خارجي -لا سيما الصين وروسيا وأوروبا وإيران- من المساس بسيادة أمريكا على العالم منفردة وسيطرتها على مصادر القوة التقنية والعلمية.
التوازن الدولي ظل ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ حتى تم إغراق الأخير في المستنقع الأفغاني واستنزافه قبل تفكيكه 1991، وانفراد واشنطن بالقطبية الدولية، روسيا رأبت الصدع مع بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي المنحل، وشيدت ترسانة عسكرية مرعبة، وشكلت محور دولي مع الصين وإيران وكوريا الشمالية للإطاحة بالنظام العالمي، وتأسيس نظام متعدد الأقطاب، لكن الاقتصاد الأمريكي المنهك وديونه التريليونية لم يمكناها من خوض غمار المواجهة، لذلك وقع أوباما الاتفاق النووي مع إيران وتغاضى عن تأسيس أذرعها العسكرية ليستنزف قدراتها الاقتصادية، ثم استأنف ترامب العقوبات وقطع الأذرع قبل قصفها واخراجها من ميزان القوى الإقليمية، حتى باتت مهددة بانقلاب داخلي قد يتزامن مع عدوان يطيح بحكم الملالي، ويعيدها للفلك الأمريكي.
واشنطن عادت ودفعت موسكو للفخ الأوكراني، جمدت أرصدتها ومنعتها من بيع النفط والغاز لأوروبا، وفرضت عقوبات غير مسبوقة، ثم قوضت نفوذها في سوريا دون رد فعل، وضربت حليفها الإيراني دون أن تتدخل لدعمه، وخطفت حليفها مادورو من داخل قصر الحكم وهي تقف متفرجة، ودفعت داعش بدول الساحل الأفريقي لتلقنها درسا أطاح بمخططاتها للتوسع في المستعمرات الفرنسية.
التعريفات الجمركية كأداة ضغط لواشنطن عجزت عن مواجهة الصين، احتكار الصين للمعادن النادرة والمغناطيسات الصناعية وسعيها للاكتفاء الذاتي من أشباه الموصلات، أجبر الولايات المتحدة على التراجع، ومحاولة السيطرة على الدول التي تمتلك المعادن النادرة «كندا، أوكرانيا، أمريكا اللاتيني، جرينلاند، وبعض الدول الأفريقية».. الخلاصة ان البقاء في النهاية للقطبين الأعظم الولايات المتحدة والصين، لأن كل منهما أقوى من أن يبتلعه الآخر.
والحقيقة أن فكرة التوسع الاستعماري ليست من اختراع ترامب، فقد اشترت واشنطن من قبل ألاسكا من روسيا، ولويزيانا من فرنسا، وكاليفورنيا من المكسيك، والرئيس هاري ترومان 1946 عرض على الدنمارك 100 مليون دولار لشراء جرينلاند، التوسع رؤية لأجهزة الدولة السيادية ضد محاولات الإطاحة بالنظام الدولي، لكنها مؤخرا اعتمدت وسائل خشنة اتساقا مع توجهات ترامب، وحجم المأزق الاقتصادي للدولة، وحتمية تدبير مصادر عاجلة لتجاوزه.
فنزويلا الأولى عالميا باحتياطات نفطية 303 مليار برميل تمثل 17% من الاحتياطي العالمي، إضافة للغاز الطبيعي والمعادن خاصة الذهب والحديد والبوكسيت «الألمنيوم» والكولتان «هام لصناعة الإلكترونيات» والماس والمعادن النادرة، لكن الأمر لا يتوقف عند الاستيلاء على الثروات، بل يتعلق بإعادة هندسه توازنات القوى على المسرح العالمي بحيث تستأثر واشنطن بمعظم عوامل القوة في العالم، وتفرض نفوذا وهيمنة دولية غير قابلة للمنافسة لعقود طويلة.
ولا تتوقف أطماع واشنطن على فنزويلا، بل تمتد لدول الاحتياطيات النفطية الضخمة «كندا، إيران، والعراق…»، سيطرة الولايات المتحدة عليهم اضافه الى ما تمتلكه من نفط وغاز صخري وما سمحت به لشركات التنقيب من استئناف نشاطها على السواحل الأمريكية ضاربه عرض الحائط بالاعتبارات البيئية يعني سيطرتها على قرابة 40% من الاحتياطي العالمي، وبالتالي تستطيع ان تقوض القوة الاقتصادية والعسكرية الصينية وتقيد قدرتها على استعادة تايوان دون مصدر مأمون للطاقة، كما تقضي على الدور الذي تلعبه منظمتي اوبك واوبك بلس في سوق الطاقة العالمي وتصبح هي المتحكم الوحيد فيه.
هذه التطورات ستنعكس على دول الاتحاد الأوروبي، التي ستعتمد على مصادر طاقة تديرها الولايات المتحدة من داخل مناطق نفوذها الجديدة، وتتحول الى دول تابعة تدار شئونها من واشنطن، ولن تعد فكره استقلال القارة العجوز وارده كما لن تتوافر لها القدرة على مناقشه التوجيهات الأمريكية.. دول الخليج أيضا ستفقد حريه المناورة السياسية في العلاقة ما بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، خاصه بعد تقويض أدوارهما الدولية، وربما تتعرض دول الخليج لاستهداف عسكري إيراني إذا ما تعرضت الأخيرة لعدوان، ما قد يقلل من أهمية المنطقة كمصدر عالمي للطاقة.
العالم يشهد مخاض انقلابات جوهرية في توازنات القوى، تجبر البعض على تحسس رأسه خشية اللحاق بمادورو، وتدفع الكل لوضع أصابعه على الزناد.










