كان { السادات } يُطلق علي الشاعر الكبير { أحمد فؤاد نجم } ، ( الشاعر البذئ ) ؛ لأنه كثيراً ماتطاول علي { السادات } حتي بلغت ذروة هذا التطاول في قصيدته [ بيان هام ] والذي كان يُقلّد فيها صوت { السادات } عندما يُلقيها في أي مَحفل أو مناسبة أو مهرجان !!.
والحقيقة أنني كنت أتعجب من هذا التناقض ، وأحاول أن أفهمه ، فعلاً { أحمد فواد نجم } كان مُنفلت اللسان ، لا يُراعي حُرمة أحد ، ولا يُقدّر الآداب العامة حتي في تصرفاته الشخصية ، فيسبب حرجاً لمن يجالسه ، ولهذا كنت أضيق به كثيراً ، وأحاول منع نفسي من الذهاب إلى مسكنه المتواضع مع رفيق عُمره وإبداعه { الشيخ امام } ، وهو واحد من أعظم الموسيقيين بعد { سيد درويش } ، والذي كان علي عكس { نجم } تماماً ؛ فكان يفيض خجلاً وتواضعاً ورقةً وحياءً كأنه عذراء ، حتي أنه يوم أن استضفناه في قريتنا الحبيبة رفض المبيت عند أحد ، وفضّل أن يقضي ليلته في إحدى المقاهي التي يمتلكها صديق عزيز !!.
وكنت أندهش ، كيف لشخصية مثل { أحمد فؤاد نجم } أن يجمع بين الإبداع العبقري وبين الوقاحة والانفلات الأخلاقي ، وتزداد حيرتي ودهشتي وأنا أراه يُبدع أجمل القصائد العاطفية ، فيصف – مثلاً – شَعر حبيبته فيقول : ( والضفاير تِبر طاير ) ، ويقول : ( الغرام ف القلب سارح / والهوي طارح مَعزّة / والحنين للقُرب بارح / والنوي جارح ياعَزة ) وعَزة هي { عَزة بلبع } حبيبته وزوجته !!.
حتي قصائده الوطنية هي أيضا حالة من حالات الوجد والعشق والصبابة ، فيقول : ( هو بَصّ ف عيني بَصة / اتحسر وفي حَلْقه غُصة / أصله شاف صورتين جُمال / مصر في العين اليمين / وإنتِ في العين الشِمال ) !!.
وكان دائماً يذكرني بشاعرنا الكبير { بَشّاربن بُرد } الذي كان قبيح الوجه والخِلقة والخُلق ، عِربيداً سِكيراً زنديقاً شعوبيّاً قليل الدين ، وكانوا يقولون عنه ( إن الرجل يَخشي أن يُقابله في طُرقات البصرة ، فإن لم يُصبه في ماله أصابه في عِرضه ) ، ومع هذا فهو أكثر من تحدث في الأخلاق شِعراً ، وديوانه يمتلء بالحِكم والمواعظ والدعوة إلى مكارم الأخلاق ، فهو القائل ( وإذا كنتَ في كل الأمور مُعاتباً صديقك .. فلن تلقي الذي لاتعانبه ) ، مثلما كان أعمي وهو أعظم من وصف عيون الحبيبة ، فهو القائل أيضاً ( إن العيون التي في طرفها حوّر .. قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا ) ، غريبة !!.
{ نزار قباني } كان مُتجاوزاً في شِعره عن المرأة إلى حد بعيد ، حتي كان أول ديوان أصدره بعنوان ( طفولة نهد ) ، يومها لم يصدق { أحمد حسن الزيات } صاحب مجلة الرسالة العنوان ، فكتب دراسة عن الديوان علي أنه ( طفولة نهر ) ، لكن نزار علي المستوي الشخصي كان مُهذباً رقيقاً مُرهفاً مؤدباً مُراعياً للآداب والاخلاق العامة ؛ لايجرح أحداً ولايخدش حياء أحد !!.
هي قضية مُحيّرة حقاً ، ربما عندي لأنني من مدرسة الأخلاق أولاً ، لهذا أراني أتساءل مُتعجباً : كيف لشاعر مُنفلت اللسان ، وضيع الأخلاق ، وقح السلوك والألفاظ ، فظّ المشاعر ، أن يُبدع شِعراً رائعاً جميلاً بديعاً عبقرياً ، كالذي أبدعه نجم وبشار وأمثالهما ، تتناقله الأجيال وتحفظه وتردده وتقتدي به ، وتتخذه نِبراساً لها في مواقفها الحياتية والوطنية ، لا أدري !!.










