تُعاد صياغة المشهد الأمني والسياسي في غزة من خلال “خطة سلام” أمريكية متكاملة تهدف إلى هندسة جديدة للقطاع. ترتكز إعادة تشكيل القوة على إرساء ترتيبات دولية للإدارة ونزع السلاح وتولي هيئات انتقالية مقترحة مسؤولية الإعمار تحت إشراف إقليمي ودولي.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشكيل قوة الاستقرار أو إعادة الإعمار فحسب، بل في التوصل إلى توافق سياسي حول طبيعة النظام الذي سيدير غزة بعد الحرب. فالمعضلة الأساسية التي تواجه جميع الأطراف تتمثل في كيفية الجمع بين متطلبات الأمن الإسرائيلي، ومتطلبات الحكم الفلسطيني، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ضمن أفق سياسي واضح يقود إلى إقامة دولته المستقلة.
ومن هنا تبدو الورقة المصرية أقرب إلى إطار شامل لمعالجة الأزمة من جذورها، إذ تسعى إلى الربط بين ثلاثة مسارات متوازية: تثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وبلورة ترتيبات سياسية وأمنية للمرحلة الانتقالية. وهي معادلة تدرك القاهرة أنها وحدها القادرة على تحويل التهدئة المؤقتة إلى استقرار مستديم.
أما على صعيد النظرة المستقبلية، فإن غزة تقف اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول يتمثل في قبول الأطراف المختلفة بالورقة المصرية والانطلاق نحو اتفاق تدريجي يفتح الباب أمام إعادة الإعمار وتشكيل إدارة فلسطينية انتقالية مدعومة إقليميا ودوليا. والسيناريو الثاني يقوم على قبول جزئي يقود إلى هدنة طويلة دون معالجة القضايا الجوهرية، بما يبقي جذور الأزمة قائمة وقابلة للانفجار في أي وقت. أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في تعثر المفاوضات وعودة العمليات العسكرية بصورة أوسع، بما يبدد فرص التسوية ويعمق المأساة الإنسانية.
يبدو أن المنطقة تقف أمام فرصة حقيقية ربما تكون الأهم منذ سنوات لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني. فنجاح المبادرة المصرية وتوافق الوسطاء الإقليميين والدوليين عليها قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تنتقل فيها غزة من ساحة للحرب والصراع إلى نقطة انطلاق لمشروع أوسع لإعادة بناء النظام الفلسطيني وإحياء المسار السياسي نحو حل الدولتين.
أما إذا تعثرت هذه الجهود، فإن المنطقة بأسرها قد تجد نفسها أمام دورة جديدة من عدم الاستقرار تتجاوز حدود غزة لتطول الإقليم بأكمله. والسؤال لم يعد يتعلق فقط بكيفية إنهاء الحرب، بل بماهية النظام السياسي والأمني الذي سيولد بعدها. ومن هنا تأتي أهمية اللحظة الراهنة، لأنها قد تحدد ليس فقط مستقبل غزة، بل أيضا مستقبل القضية الفلسطينية وترتيبات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط لسنوات مقبلة. وأحد أهم متطلبات خطة ترمب المكونة من 20 نقطة بشأن غزة هو تشكيل قوة لتحقيق الاستقرار مدعومة من الولايات المتحدة. ووافقت واشنطن على إرسال ما يصل إلى 200 جندي لدعم القوة دون نشرهم في غزة نفسها. هذه أدوار إشرافية ولوجستية وتنسيقية، وليست أدواراً قتالية على الإطلاق.. هناك الآن ربما 12 إلى 22 شخصاً (أميركياً) على الأرض للمساعدة في إعداد هذه العملية، لقد منحنا هذا أولوية كبيرة للتأكد من تثبيت الوضع، ودور الولايات المتحدة هنا هو أننا نحظى بثقة كل الأطراف المختلفة، ونستطيع أن نكون محكماً للمسائل ومركز تبادل للمعلومات؛ نحاول تصميم أولويات صحيحة لضمان تنفيذ الأمور بالطريقة التي تجعل المهمة ناجحة”.
ارتبط إنشاء “مجلس السلام” بمحاولة إعادة ترتيب الوضع في قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب ضمن هيكلية سياسية – أمنية ترعى الولايات المتحدة الأميركية من خلالها سعي إسرائيل إلى تحقيق أهدافها التي لم تحققها خلال الحرب تحت غطاء دولي. وقد تأسس المجلس بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803، الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025
، وأعلن ترمب عنه بوصفه هيئة انتقالية دولية تشرف على إعادة إعمار القطاع وإدارة المرحلة الانتقالية فيه، إلى جانب “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، و”مجلس غزة التنفيذي”، و”قوة الاستقرار الدولية”. وتولى ملادينوف صلاحيات تتعلق بتنسيق التمويل والإشراف على ترتيبات “اليوم التالي”. وكشف مسار عمل المجلس سريعًا أن أولويته الفعلية تتمحور حول إعادة صياغة الواقع السياسي والأمني في القطاع بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، وربط ملفات إعادة الإعمار والإدارة المدنية والمساعدات الإنسانية بالترتيبات الأمنية المتعلقة بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية.
ظهر هذا التوجه بوضوح خلال إحاطة “مجلس السلام” أمام مجلس الأمن في 28 نيسان/ أبريل 2026، حين ربط عضو المجلس التنفيذي، توني بلير، بين رفع القيود المفروضة على القطاع ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية، معتبرًا أن حماس بصيغتها الحالية لا يمكن أن يكون لها أيّ دور في إدارته، لا على نحو مباشر ولا غير مباشر في ظل احتفاظها بالسلاح
. وبرز هذا الطرح جليًا في تقرير المجلس المقدّم إلى مجلس الأمن في أيار/ مايو 2026، حين اعتبر أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تبدأ قبل “نزع سلاح حماس وجميع الجماعات المسلحة في غزة بالكامل”، ووصف ذلك بأنه “المتغير الحاسم، والعامل الذي يفتح الباب أمام كافة العناصر الأخرى في الخطة”. وقد تعاملت حماس مع هذا التوجه بوصفه “محاولة مشبوهة لخلط الأوراق” وتعطيلًا لمسار الاتفاق ومراحله المتفق عليها، مؤكدة أن المجلس تبنّى عمليًا شروط الاحتلال الإسرائيلي وأولوياته الأمنية
برز هذا التعطيل بوضوح في تحديد وضع “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” التي شُكّلت بوصفها لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية، والإشراف على عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية. وعلى الرغم من أن اللجنة حظيت بالتوافق على تشكيلها ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، وموافقة الفصائل والرئاسة الفلسطينية عليها باعتبارها إطارًا إداريًا لإدارة المرحلة، فإنها لم تحصل على إذن لدخول القطاع لمباشرة مهماتها. وأعلن رئيسها، علي شعث، في 30 نيسان/ أبريل أنه تلقّى، من خلال ملادينوف، موافقة مبدئية لدخولها إلى القطاع، مؤكدًا استعداد أعضائها للعمل فورًا، إلا أن هذا لم يحصل حتى الآن، لأن إسرائيل مطلقة اليد ومحصّنة في علاقتها مع المجلس. وقد رفضت حماس محاولات المجلس تحميلها المسؤولية عبر اتهامها بالتمسك بإدارة القطاع، مشيرة إلى أنها أعلنت مرارًا استعدادها لتسليم إدارته للجنة الوطنية، ودعت إلى تمكين اللجنة من العمل، وأن الاحتلال هو من يمنعها من الوصول إلى القطاع لتولّي مهماتها. ويكشف ذلك أن المجلس ربط أيضًا عمل اللجنة والإغاثة وإعادة الإعمار بترتيبات أمنية وسياسية تخدم الرؤية الإسرائيلية للقطاع.
وتزامن ذلك كله مع توسّع السيطرة الإسرائيلية الميدانية داخل القطاع بعد وقف إطلاق النار، حيث نقلت القوات الإسرائيلية “الخط الأصفر” المتفق عليه للسيطرة داخل غزة غربًا إلى ما بعد حدوده الأصلية، وأنشأت ما لا يقل عن 32 موقعًا عسكريًا دائمًا أو طويل الأمد. وقد تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأن القوات الإسرائيلية وسّعت نطاق سيطرتها في القطاع إلى أكثر من نصف مساحته، مشيرًا إلى أنه “في غزة الآن، لم نعد نسيطر على 50 في المئة فقط، بل أصبحنا نسيطر بالفعل على 60 في المئة”
. ووثّق مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 167 فلسطينيًا قرب المناطق العازلة بين تشرين الأول/ أكتوبر 2024 وكانون الثاني/ يناير 2026، بينهم أطفال ونساء، في حين أكدت منظمة أطباء بلا حدود أن التوسع الإسرائيلي “التهم مناطق المياه والمرافق الصحية”. وأعلنت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى “الأونروا” أن 127 من منشآتها أصبحت داخل مناطق يتطلب الوصول إليها تنسيقًا إسرائيليًا، وهو ما يعكس استعمال إسرائيل وقف إطلاق النار لإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية في القطاع، مقابل توفير المجلس غطاءً سياسيًا وإداريًا لهذا التحول.
وامتد هذا المسار إلى البنية المالية لعمل المجلس، مع تداول مقترحات أميركية لتحويل جزء من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل إليه لتمويل ترتيبات ما بعد الحرب في القطاع، بعدما أخفق في تأمين التمويل الدولي الذي تعهدت به الدول الأعضاء
؛ إذ لم يتلقَّ سوى جزء ضئيل من أصل 17 مليار دولار أميركي تعهّدت بها الدول الأعضاء؛ ما يعني عمليًا تحميل الفلسطينيين تكلفة ترتيبات سياسية وأمنية تُدار وفق الرؤية الأميركية – الإسرائيلية، ومنح إسرائيل دورًا مباشرًا في إدارة الموارد المالية الفلسطينية، في وقت تتسع فيه الكارثة الإنسانية في القطاع.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










