كتب عادل احمد
تكرر المدارس الخاصة والدولية سيناريو العام الماضي بحذافيره، إذ سارعت إلى إقرار زيادات جديدة في المصروفات الدراسية قبل أن تحدد وزارة التربية والتعليم سقف الزيادات الرسمية. ولم تصدر الوزارة حتى الآن شرائح الزيادة الرسمية لمصروفات المدارس للعام الدراسي 2027/2026، رغم أن مسؤولا حكوميا قال لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية إن القرار من المتوقع أن يصدر قبل نهاية الشهر الجاري. وأبلغت العديد من المدارس الخاصة والدولية أولياء الأمور بالفعل بزيادة المصروفات بنسب تتراوح بين 30% و40%، حسبما أكد مديرو مدارس لإنتربرايز، مرجعين ذلك إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية. وتضع هذه التجاذبات الوزارة في قلب تحدٍ صعب يتمثل في موازنة جهودها لتنظيم القطاع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جاذبيته للاستثمارات.
تذكر: كانت الوزارة قد شددت رقابتها على المصروفات الدراسية للمدارس الخاصة والدولية في سبتمبر الماضي، مع الإبقاء على هيكل سقف الزيادات المعمول به للعام الثالث على التوالي، إلى جانب إيفاد لجان تفتيش للتأكد من توافق جودة الخدمة المقدمة مع المصروفات المحصلة.
وترى المدارس أن الزيادات الرسمية غير كافية. إذ تواجه المدارس الخاصة ضغوطا مالية شديدة وتحتاج إلى زيادة استثنائية، وفق ما قاله رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة بدوي علام في تصريحات لإنتربرايز. فمن دون هذه الزيادة، عادة ما تلجأ المدارس إلى “زيادة بعض المصروفات الأخرى حتى تتمكن من توفير احتياجات العملية التعليمية”، حسبما أضاف علام، والذي توقع أن تضع الوزارة سقف زيادة مصروفات المدارس الخاصة بين 10% و35%، “ولكن الالتزام بتنفيذ الحد الأدنى للأجور يتطلب معه زيادة إضافية، وهو ما طالبت به المدارس الخاصة في اجتماعات سابقة مع الوزير”.
الوزارة تتدخل:
عقد وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف في وقت سابق من الشهر الجاري اجتماعا مع ممثلي مؤسسة المدارس الدولية في مصر، لمناقشة التحديات التي تواجه القطاع، بما في ذلك المصروفات الدراسية، وفق ما صرح به كريم مصطفى، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إديوهايف لإدارة المؤسسات التعليمية، لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية. وأوضح مصطفى أن الوزير أكد خلال الاجتماع أن الزيادة في مصروفات المدارس الدولية ستتراوح بين 7% و15%، لافتا أن الوزارة ستصدر قرارا ملزما بذلك قريبا. كما ستُلزم الوزارة المدارس الدولية بنشر مصروفاتها الدراسية على مواقعها الإلكترونية، بحسب مصطفى.
وتطرق الاجتماع إلى حزمة ضوابط تنظيمية أوسع للمدارس الدولية، بحسب مصطفى، والتي تشمل:
إصدار قرار وزاري جديد بشأن المصروفات الدراسية يبدأ تطبيقه اعتبارا من العام الدراسي المقبل.
حظر نظام التعليم المنزلي.
نقل تبعية تراخيص دور الحضانة إلى وزارة التربية والتعليم بدلا من وزارة التضامن الاجتماعي.
زيادة الوزن النسبي لمادتي اللغة العربية والتربية الدينية بدءا من العام الدراسي المقبل، مع تسيير زيارات ميدانية من جانب الوزارة للمدارس لمتابعة التنفيذ.
الاهتمام بإحياء المناسبات والأعياد الوطنية المصرية، مع الحد من الاحتفال بمناسبات مثل الهالوين وعيد الشكر.
توجيه المدارس الدولية للانضمام إلى عضوية مؤسسة المدارس الدولية في مصر.
وقد وافقت المدارس الدولية على مقترحات الوزارة تمهيدا لتطبيقها في العام الدراسي المقبل، وفق ما قاله مصطفى لإنتربرايز.
وتضغط المدارس من أجل إعادة هيكلة شاملة للمصروفات، إذ لا يعكس الهيكل الحالي لها التكاليف التشغيلية الفعلية، لا سيما بالنسبة للمدارس التي تحصل مصروفات تقل كثيرا عن نظيراتها الخاصة والدولية الأخرى، بحسب علام. وتطالب الجمعية الوزارة بالسماح لهذه المدارس بإعادة تسعير مصروفاتها تدريجيا على مدار أربع سنوات، للوصول بها إلى مستوى أكثر عدالة يدعم تحسين جودة التعليم. وأشار علام إلى أن الجمعية تقدمت بهذا الطلب رسميا إلى الوزارة، وتنتظر الموافقة عليه، مضيفا أنها قدمت مقترحا منفصلا لضم المدارس الخاصة إلى النظام الضريبي المبسط، بحيث تسدد ضريبة قطعية بدلا من مواجهة أعباء ضريبية متعددة.
ويتوقع رئيس مجلس إدارة مدارس العمران للغات صابر عمران أن تظل شرائح زيادة المصروفات التي ستحددها الوزارة للعام الدراسي 2027/2026 قريبة من المستويات الحالية، وهو تحديدا السبب الذي يدفع المدارس إلى تسريع وتيرة افتتاح أقسام جديدة لتدريس المناهج الأمريكية أو الدولية، وفق ما صرح به عمران لإنتربرايز. وأوضح أنه في حين يخضع تدريس المناهج القومية لسقف المصروفات، فإن المدارس الساعية لتعزيز نمو إيراداتها تتجه لافتتاح أقسام دولية لتحقيق هوامش ربحية أعلى، جنبا إلى جنب مع إجراء تعديلات على مصروفات الكتب المدرسية، والأنشطة، وخدمات النقل. ويصف عمران التوسع في الأقسام الأمريكية بأنه “آلية تحوط” واستجابة مباشرة للزيادات السنوية التي تقرها الوزارة ولا تتناسب مع الارتفاع الفعلي في التكاليف التشغيلية.
ويواجه القطاع ضغوطا حقيقية نتيجة فرض سقف للمصروفات وبالتزامن مع متطلبات الالتزام بالحد الأدنى للأجور، وفقا لعلام. وتعمل المدارس الدولية حاليا على استبدال المعلمين الأجانب بمعلمين مصريين يجيدون اللغات الأجنبية لاحتواء التكاليف. ورغم ذلك، “هناك تناقص في عدد المدارس الجديدة سنويا، وهو ما يتطلب توفير المزيد من الحوافز ودعم الاستثمار في القطاع”، وفق ما قاله علام.
المعروض من المدارس الخاصة ينمو ببطء:
لم يرتفع عدد المدارس الخاصة سوى بمقدار 496 مدرسة فقط منذ عام 2021، ليصل إجمالي عددها إلى 8806 مدارس عبر مختلف مراحل التعليم قبل الجامعي في العام الدراسي 2026/2025، حسبما صرح به مسؤول حكومي لإنتربرايز. في المقابل، ارتفع عدد المدارس الحكومية إلى 18.7 ألف مدرسة مقارنة بنحو 16.8 ألف مدرسة خلال فترة الخمس سنوات ذاتها.
أحد الحلول المقترحة يتمثل في منح القطاع الخاص حق الإدارة والإشراف على بعض المدارس الحكومية، بحسب علام. وينص المقترح على أن يحصل المستثمرون في قطاع التعليم على التكلفة المخصصة للطالب والتي تتحملها الموازنة العامة للدولة حاليا نظير تولي الإدارة والإشراف، بما يتيح للحكومة التخارج من إدارة المدارس الحكومية دون تحميل أولياء الأمور أي أعباء مالية إضافية. وأوضح علام أن التكلفة السنوية للطالب في المدارس الحكومية تبلغ نحو 20 ألف جنيه، بينما تتراوح بين 15 و25 ألف جنيه في المدارس الخاصة، بحسب نموذج المدرسة، مشيرا إلى أن إعادة توجيه الإنفاق الحكومي من خلال مشغلي القطاع الخاص من شأنه تحسين جودة التعليم دون زيادة الأعباء على كاهل الأسر.
وكانت الوزارة قد اختبرت هذا النموذج بالفعل في ديسمبر الماضي، حينما أسندت إدارة 33 مدرسة رسمية دولية إلى شركة إميرالد للتطوير التعليمي وإدارة المدارس التابعة للقطاع الخاص بموجب اتفاق مماثل، مع التزام تلك المدارس بالحد الأقصى لزيادة المصروفات والبالغ 7%. ويجري حاليا دراسة إسناد إدارة نحو 40 مدرسة قومية أخرى للقطاع الخاص، إلى جانب الاستعداد لإطلاق برنامج أوسع للشراكة بين القطاعين العام والخاص يشمل 24 مدرسة إضافية.
وجهة نظر نشرة “انتربرايز ” الاقتصادية : بدأ موسم المصروفات الدراسية، لكن مدى الالتزام بتطبيق سقف الزيادات يظل أمرا مرهونا بالتنفيذ الفعلي على أرض الواقع. لقد أشرنا إلى هذه الفجوة الهيكلية من قبل؛ فقطاع التعليم قبل الجامعي لا يزال يعاني نقصا مزمنا في المعروض، ولا يزال المستثمرون يبدون اهتماما بالقطاع رغم وجود سقف للمصروفات. إلا أن الضغوط الكلية وارتفاع تكاليف التمويل تعني أن الفجوة بين سقف المصروفات والتكاليف الفعلية لن تتلاشى من تلقاء نفسها. وحتى تصبح حملات التفتيش والعقوبات واقعية وملموسة بالقدر ذاته الذي يُفرض به سقف الزيادات، ستواصل المدارس إقرار زياداتها أولا، ثم طلب الموافقة لاحقا.










