قصيدة: (علَّمْتَنِي) لهدى جلبي أنموذجًا
أستاذ العلوم اللغوية المساعد
كلية التربية بجامعة عين شمس
ظلَّ الحب في التراث الشعري الإنساني، والعربي منه على وجه الخصوص، رهينَ الكلمة والوعود والأوهام البلاغية الطائرة. غير أنَّ التجربة الشعرية النسائية المعاصرة عمدت إلى تفكيك هذه المركزية اللفظية، لتقدم لنا وعيًا مغايرًا يتجاوز السائد. لقد واجهت الشاعرة الحديثة إرثًا طويلًا من “القول الذكوري” المؤسس على الغزل اللفظي، لتضع مكانه جمالية جديدة قائمة على “الفعل” الحركي واليومي. في هذه الورقة، نتقصى كيف تحوَّل الحب في قصيدة المرأة من عاطفة مسموعة إلى تجربة ملموسة؟، وكيف أصبح الفعل هو المحك الوجودي الوحيد لصدق التجربة؟
تبدأ تجربة الشاعرة من نقطة وعي حاسمة، وهي الشك الفلسفي في الكلمة المجردة. الكلمات في معجم الحب التقليدي تبدو سهلة الاستهلاك، ومتاحة للجميع، ومجانية لا تكلف قائلها شيئًا، بينما الفعل يتطلب موقفًا، وتضحية، وحضورًا حقيقيًا في العالم. تنفر الشاعرة المعاصرة من البلاغة الجاهزة والقصائد التي تُقال لاستمالة العاطفة دون رصيد حقيقي على أرض الواقع. إنها تعلن موت “الرومانسية اللفظية” التي حاصرت المرأة في دور المستمعة السلبية التي تتلقى الوعود دون أن ترى لها أثرًا. فتقول في مطلع قصيدتها:
علمتني أن أرى الحب لا أسمعه
وأن أذوب في حنايا عالم لم أعرفه
علمتني أن الحب ليس كلمات وحروف منمقة
فعرفت كم أنني كنت مخطئة
بناءً على ذلك، يستحيل الحب في النص النسائي الحديث إلى تفاصيل مادية محددة وجغرافية من الأفعال. إنه يتجلى في يد تمتد في لحظة خوف، أو خطوة شجاعة تقطع المسافات بين قلبين، أو حتى في صمت عميق يحمي الشريك من وعثاء العالم. يستحيل الحضور الفيزيائي والجسدي والنفسي للشريك هنا إلى وثيقة أمان أصدق من كل التوريات اللغوية. الفعل في هذه التجربة ليس مجرد حركة عابرة، بل هو انحياز وجودي كامل يؤكد حضور الآخر أو يعري غيابه، مما يجعل القصيدة مواجهة حية مع الواقع لا هروبًا منه. فتقول:
لا لا لم أجده
في كل ما نظم الشعراء من
أول الزمان حتى آخره
رأيت الحب يمشي أمامي عمرًا بأكمله
يقول: أنا الحب
أنا السكن
أنا المودة أنا المرحمة
هذا الانتقال الحاسم من “سلطة القول” إلى “حقيقة الفعل” لم يكن تحولًا في المضمون الفكري أو الأيديولوجي للقصيدة فحسب، بل أحدث ثورة شاملة في “الذوق الشعري” للشاعرة وأسلوبها الفني. لقد أعادت هذه التجربة صياغة أدوات الكتابة ومفرداتها، وتجلت هذه التحولات الجمالية في ثلاثة مستويات رئيسية شكلت البنية الفنية للقصيدة الحديثة:
بساطة اللفظ وعمق الدلالة: تخلت الشاعرة تمامًا عن الفخامة اللفظية، والتهويل البلاغي، والمحسنات البديعية المعقدة التي كانت تُستخدم لتضخيم المشاعر الزائفة. مال ذوقها لانتخاب الكلمات الرشيقة، والنبرة الهادئة القريبة من لغة الحياة اليومية، فالأفعال الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج لغوي لكي تُثبت وجودها.
شعرية التفاصيل اليومية والعادية: تحولت المفردات المهملة في الشعر القديم (مثل: فنجان القهوة المشترك، معطف المطر اللامع، إعداد المائدة، ومشاركة تفاصيل الصباح) إلى رموز مكثفة للحب الحقيقي. الفعل العابر والممارسة الحياتية البسيطة أصبحا في ذوق الشاعرة أشد شحنًا بالعاطفة وأكثر قدرة على البقاء من معلقات الغزل الكلاسيكية. ويتجلى ذلك في قولها:
ففي خطأه نحوي أشعره
وفي الغدوة والروحة ألمحه
أراه أنشودة العمر بأكمله
يبثها في قلبي فيسري هواه
في دمي .. أرتشفه
سيادة الصورة البصرية والحركية: تراجع الاعتماد على الصور السمعية والمجازات الذهنية المجردة التي تخاطب الأذن أو الفكر المحض. في المقابل، تقدمت الصورة الحركية والبصرية التي تلتقط الفعل في لحظة حدوثه المادي. هذا التحول منح القصيدة حيوية فائقة، وجعل القارئ يرى الحب ويلمسه عبر الكلمات، بدلًا من أن يكتفي بسماعه. فتقول:
في كل لحظة ولفتة
وغضبة وسورة وملحمة
يقول: أنا الحب
لست في حاجة
لشاعر ولا لقصيدة
كي تراه كي تفهمه
ونصل إلى الغاية الأسمى لتجربة الشاعرة؛ إذ لا يتوقف تفضيل الفعل على القول عند حدود التعبير عن علاقة ثنائية بين ذات وشريك، بل يمتد ليصبح أداة لإعادة بناء العالم وصياغة مفهوم جديد تمامًا للرومانسية الإنسانية. لم تعد الرومانسية في المنظور النسائي الحديث هروبًا إلى الخيال، أو غرقًا في البكاء والشكوى المستسلمة، بل أصبحت مواجهة شجاعة وقاسية للواقع عبر أفعال التضامن، والرعاية، والاهتمام المتبادل، والقدرة على البقاء معًا وسط الأزمات.
لقد نقلت الشاعرة بوعيها العملي قصيدة الحب من “منبر للخطابة” وإطلاق الوعود الطنانة، إلى “مرآة حية” تسجل حركية الحياة اليومية بكل تفاصيلها وهزائمها وانتصاراتها الصغيرة. الحب بالأفعال في هذه التجربة هو فعل مقاومة ضد جفاف العالم الحديث وسرعته وماديته. إنه تأكيد على أن الالتزام الإنساني تجاه الآخر هو القيمة الوحيدة التي تمنح الحياة معناها في مواجهة الفناء والعدم.
إنَّ التجربة الشعرية النسائية المعاصرة عند هدى جلبي، من خلال تقديمها للفعل على القول، قد أحدثت نقلة نوعية في مسار الشعر. لقد أثبتت الشاعرة أن ذوقها الفني والجمالي لم يعد ينبهر بالصوت العالي أو الوعود البلاغية المحلقة في الفراغ. لقد نجحت في تأسيس “شعرية الالتزام العاطفي العملي”، مؤكدة في نهاية المطاف أن الحب الحقيقي لغة لا تُسمع ولا تُكتب بالكلمات الفضفاضة، بل هو كينونة تُعاش، ومواقف تُرى، وأفعال تُحفر في ذاكرة الأيام.











