قراءة أدبية وتاريخية في شارع المعز لدين الله الفاطمي
منذ أن وطئت قدماي أرض القاهرة عام 1990، قادماً من أقصى جنوب الصعيد، يحمل قلبي طموح الطالب الأزهري وشغف العاشق للتاريخ، لم تكن القاهرة بالنسبة لي مجرد عاصمة أدرس في جامعتها العريقة — جامعة الأزهر الشريف — بل كانت كتاباً مفتوحاً من الحجر والرخام.
لقد أسرني التاريخ المصري بأطيافه المتعددة، لكن “مصر الفاطمية والأيوبية والمملوكية”، ومعها لمسات “مصر الخديوية” ووسط البلد، شكلت وجداني وشغفي الأبدي. تظل مناطق الأزهر، والحسين، والجمالية، والغورية، تفرض عليّ سحراً لا ينتهي ولا يزول. وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، لم يمر عليّ أسبوع إلا وأجد نفسي مشدوداً بحبل أثيري لأقضي فيها يوماً أو يومين أو ثلاثة، أطوف بشوارعها، وأقرأ شواهدها، وأكتب عن حجرها وشجرها، حتى حفظت أزقتها عن ظهر قلب.
وفي قلب هذا السحر كله، يقف شارع المعز لدين الله الفاطمي في الجمالية كدرّة التاج، وشريان التاريخ الحي الذي لا يماثله شريان في العالم أجمع.
أولاً: نشأة الشارع وتأسيسه الفاطمي (القصبة الكبرى)
يعود تاريخ هذا الشارع العظيم إلى لحظة تأسيس مدينة القاهرة نفسها. ففي عام 358 هـ / 969 م، عندما أرسل الخليفة الفاطمي المعز لدين الله قائده جوهر الصقلي لفتح مصر، اختار جوهر موقعاً شمال الفسطاط والعسكر والقطائع ليكون عاصمة جديدة للدولة.
خطط جوهر الصقلي الشارع الرئيسي للمدينة — وكان يُعرف قديماً بـ “الشارع الأعظم” أو “قصبة القاهرة” — ليمتد محذواً بين بابين رئيسيين في سور المدينة: باب الفتوح (وباب النصر) في الشمال، وباب زويلة (المعروف بباب المتولي) في الجنوب.
ولم يُطلق اسم “شارع المعز لدين الله” على الشارع بكامله إلا في العصر الحديث (تحديداً عام 1958) تكريماً لمؤسس المدينة، إلا أن الشارع ظل طوال ألف عام هو المحور الاقتصادي، والديني، والسياسي للبلاد.
ثانياً: فرادة معمارية لا توجد في أي بقعة على وجه الأرض
إن القيمة التاريخية لشارع المعز لا تكمن فقط في قدمه، بل في الكثافة الإعجازية للآثار التي تقع على جانبيه. تشير الدراسات الأثرية والتاريخية إلى أن شارع المعز يضم أكبر تجمع للآثار الإسلامية المحفوظة في العالم بالنسبة للمساحة، وهو ما أهله ليكون المتحف المفتوح الأول المسجل ضمن قائمة التراث العالمي ليونسكو.
ومن شواهد هذا الشارع العظيم التي تتراكم عبر العصور:
العصر الفاطمي (358 – 567 هـ): يتجلى في جامع الحاكم بأمر الله (403 هـ) بلمساته المعمارية الضخمة ومأذنتيه الفريدتين، وجامع الأقمر (519 هـ) الذي يعد أول جامع تُزخرف واجهته بالحجر بتصميم هندسي وبديع يراعي استقامة الشارع مع اتجاه القبلة، فضلاً عن أبواب القاهرة العظام (باب الفتوح، باب النصر، وباب زويلة) الشاهدة على التحصينات الحجرية الفذة.
العصر الأيوبي (567 – 648 هـ): وتبرز فيه مدرسة وقبة الصالح نجم الدين أيوب، والتي تعد نقطة تحول معمارية فارقة، حيث تم فيها الانتقال من النظام الفاطمي إلى المخطط المملوكي، وكانت أول مدرسة تُدرس المذاهب الفقهية الأربعة معاً في مصر.
العصر المملوكي (648 – 923 هـ) – عصر الذروة المعمارية: حيث تتلألأ مجموعة السلطان المنصور قلاوون (683 هـ) التي تضم بيمارستاناً (مشفى)، ومدرسة، وقبة دفن تُصنف تاريخياً وفنياً بأنها من أجمل القباب الضريحية في العالم، إلى جانب مدرسة ومسجد السلطان برقوق (788 هـ) بروعة زخارفها الخشبية والرخامية، ومجموعة السلطان الغوري (909 هـ) عند نقطة تقاطعه مع شارع الأزهر.
ثالثاً: بين أسراره بالليل ونوره بالفجر.. تجربة عاشقة
إن حقيقة هذا الشارع لا تجدها فقط في أمهات الكتب التاريخية كـ “الخطط المقريزية” أو “حسن المحاضرة” للسيوطي، بل تجدها في روحه الحية التي تنبض حين تهدأ الحركة وتخلو الأزقة.
وقد عشت هذه الروح في ليلة أثيرية قريبة؛ إذ امتدت جولتي فيه من بعد صلاة العشاء وحتى إطلالة الصباح. وحين أقبل الفجر، وانكشفت الرقعة عن خلوٍ نادراً ما يحدث، مضيتُ فيه مع أصدقاء وأحبة جاءوا خصيصاً من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين؛ لنطوف جميعاً في رحاب الشارع وهدوئه الساحر.
في تلك اللحظات الفجرية، وتحت ضوء الفجر الصادق وهو يلامس قمم المآذن المملوكية ويعكس ظلال المشربيات على أزقة الشارع الصافية، لم يكن الأصدقاء ينظرون إلى حجارة صامتة، بل كانوا يستمعون إلى حكايات ألف عام. رأوا كيف يتحدث الحجر، وكيف تنطق المقرنصات، وكيف ينساب التاريخ ليربط بين أبناء الخليج وأبناء الصعيد والجمالية في رباط من الفخر بالتراث العربي والإسلامي.
الشارع الذي لا يشيخ
سيظل شارع المعز لدين الله الفاطمي معلماً لا شبيه له في المعمار كله؛ فهو ليس مجرد ذكريات منسوجة من الماضي، بل هو روح متجددة، وسحر يستوعب كل من زاره أو سكنه.
لقد أتيتُه شاباً قادماً من جنوب الصعيد عام 1990 بقلبٍ مفعم بالدهشة، وها أنذا أقف فيه اليوم، بكامل شغفي، مؤكداً أن هذا الشارع لم ينتهِ سحره ولن ينتهي، لأنه اختصار لطاقة القاهرة الفذة، ومدونة خلدت إبداع العقل البشري في أزهى عصوره المعمارية والجمالية.










