قدم لنا الروائي “سيد الرشيدي” رواية ذات مذاق خاص. حيث أخذنا في رحلة لعالم لم يعرفه سواه فكان دليلنا لهذا العالم الذي تعيش به “خالتي حميدة” في قرية بها قبيلة فسميت القرية باسم القبيلة. أما الراوي في رواية (خالتي حميدة) يعد راويا موثوق به ويعتمد عليه من قبل القاريء فكل ما يزود به القاريء مقبول ولا يعتريه الشك, لكنه ليس راويا ينظر للأحداث من بُعدْ. الراوي يسرد الأحداث بعد ما انقضت فهو يقص علينا ذكرياته, كذلك نرى الراوي مشاركا في الأحداث منذ طفولته لكنه ليس لديه اسم محدد فظل حرا يتنقل في قرية “عرب الرشايدة” وبين أقرانه من أهل القرية وتدور الأحداث وهو يشاهدها عن كثب. أما الشخصية المحورية فهي “حميدة” تلك المرأة القوية والحكيمة والتي قاربت على المائة وهي محتفظة بذاكرتها وجميع قدراتها وتحتفظ بعلاقاتها الطيبة مع جميع أهل القرية من صغيرهم لكبيرهم. لا يعد الراوي راويا عليما فلقد تعرض في بداية الرواية لاعتداء أحد كلاب “حميدة” بالعض لأنه خالف أمر والده الذي حذره من الإقتراب من بيت الخالة بمفرده وأن عليه الذهاب في صحبة. لذلك قامت “حميدة” بزيارته وأهدته إحدى “فروجاتها”.
يبدأ الراوي سرد الأحداث وحدد الزمان في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وهو في سن الثامنة فيصف منزل “حميدة” على أطراف القرية ويصف الطبيعة المحيطة ببيتها المحاط بحقول القصب وأمامه ترعة وعلى جانبيها أشجار الصفصاف والسنط والسيسبان والنخيل على الجسر. كانت البيوت مبنية من الطين والطوب اللبن وهناك بيوت من بوص الذرة الشامية والهيش أما من بقي من أهل القرية على بداوته كان له بيت من شعر الخيام. أما بيت “حميدة” مبني بالطين وديوان الضيوف خيمة بدوية.
تعيش “حميدة” بمفردها بعد وفاة زوجها وسفر ابنها الوحيد لليبيا منذ سنوات. أهم ما يميز بيتها وجود ثلاث كلاب حراسة: “مخيمر” و”عنتر” و”ستهم”. “عنتر” يعد حارسها الخاص لا يفارقها في غدوها ورواحها. “مخيمر” و”ستهم” يحرسون البيت. بيت “حميدة” يبعد عن القرية فالكلاب مهمة بالنسبة لها لأنها تخشى اللصوص والذئاب والثعالب على “فروجاتها”. كان أهل القرية يتعاملون معها على أنها قريبة الجميع ولذلك أحبها الجميع وخاصة الراوي ورفاقه.
كانت “حميدة” شخصية أسطورية بالنسبة للأطفال ومنهم الراوي وكأنها “شهرزاد” التي يتحلقون حولها لتحكي لهم “حكايات القمر”, حين تجلس معهم تنظر للقمر وتقول لهم :” انظروا للقمر” فينظر الأولاد ولا يرون شيئا, فتقول لهم:” في القمر أمامكم رجل معه حمار وعلى الحمار (قطاوي), ونزل من حماره ليشرب من الزير المليء بالماء, ألا ترون؟!” (14) وكان الأطفال يصدقون ما تقوله وما تراه. كانت حكاياتها هي الوسيلة الوحيدة للسمر ليلا حيث لا توجد كهرباء.
كان “حسن حمدان” الأكبر سنا بين الشباب والصِبْية الذين يسمعون قصص “حميدة” ويقول الراوي أن “الونسة” عند “خالتي حميدة تنتهي في العاشرة مساء في الصيف أما في الشتاء فتنتهي في الثامنة. ومن أجمل حكاياتها وأكثرها حزنا كانت حكاية “عطرة” والتي تصفها “كأنها غزال من غزلان البر” (15) لقد أحبها ابن الباشا “مراد”, أما أبوها فكان حارسا لأرض الباشا وكانت “عطرة” تبادله حبا بحب ووجدت فيه مالم تجده في ابن عمها “زيدان” الذي لا تحبه وتجد نفسها مكرهة على الزواج منه. سألها “حسن”:” هل كان أبو “عطرة” يعرف أن ابن الباشا يريد أن يتزوج ابنته؟” ردت عليه بالإيجاب. ولكن الباشا فرق بينهم. لقد اختفت “عطرة” وأسرتها من القرية وظل ابن الباشا يبحث عنها في كل مكان ولم يجدها. كل ما تعرفه أن الباشا هدد والد “عطرة بالقتل إن لم يغادر. وأبلغنا الراوي أن والد “عطرة” أخذ أسرته وهرب للسودان عند أقارب له.
كان للموروث الشعبي جانبا كبيرا من الرواية وشمل العديد من الأحداث والحكايات. وأولى تلك الحكايات تتعلق بشجرة “العطنة”. أصيب وزج “حميدة” بالبهاق وتم وصف الدواء له في شجرة “العطنة” و”ثمرها يشبه ثمر الزيتون الأخضر, يفرز عصارة بيضاء يدهن بها مريض البهاق فيشفى ولابد أن ينام المريض تحت هذه الشجرة ثلاثة أيام, وهذه الشجرة مشهورة بعيدة في الجبل سفر يوم وليلة بالإبل” (18) سافر زوجها للعلاج ولكنه مات هناك ولم يخبرنا الراوي سبب الموت. ترك الأمر للقاريء كي يخمن أنه ربما لدغته عقرب أو حية.
ينتقل بنا الراوي لمشهد آخر وهو”الحضرة” حيث يأتي الشيخ “إبراهيم” وهو من “العسيرات” يقوم بعمل حضرة على روح زوج “خالتي حميدة” وذلك بعد ختمة القرآن على روح “أبو الشحات”. يقوم الدراويش عندما تشتد الحضرة بالتطوح والصراخ والنساء في بيت “حميدة” كما يذكر الراوي أن جداته وفهيمة أم إبراهيم العريض “يذكرن مع الدراويش ويتطوحن مثلهم. خالتي “حميدة” تلبس الملابس البيضاء وتضع الروائح والعطورعلى جسدها, وتنصب راية بيضاء على سطح بيتها.” (21) وتقول “أم حربي” في نهاية حلقة الذكر:” مبروك يا “حميدة” ليلة سعيدة, انظري أعلى بيتك نور نازل على بيتك انظري بين النخلتين.” (21) هنا تزغرد جدة الراوي “عيدة”. كانت “حميدة” تعطي أحد الأولاد “مقرسة” عليها جمر وفيها بخور ليمر بين الذاكرين. وهنا يخبر الراوي القاريء بأن الشيخ “عبد الباسط” إمام المسجد بالقرية معترض على الحضرة ولذلك تركها لما بها من مخالفات يقوم بها الشيخ ودراويشه.
وينتقل بنا الراوي إلى جانب آخر من جوانب الحياة في “عرب الرشايدة” ويقص علينا من الموروث الشعبي الذي يرافق العرس ويصف ما يحدث في كل ليلة, يصف “يوم التفصيل” وهو يسبق ليلة العرس بيومين, وهو يوم خاص بالنساء ويبدأ من العاشرة صباحا وفيه تقوم أم العروس “بوضع ثياب العروس أمام النساء وتجلس العروس بينهن متزينة, يباركن لها ويغنين ويرقصن للعروس.” (41) كان الراوي وأقرانه يسمح لهم بدخول الخيمة حيث كانوا حينها صغارا.
يستمر وصف العادات المتوارثة في يوم العرس. يقام في ليلة العرس “الرجيعي” وفيه “يغني الرجال ويكفون ويرقص النساء العجائز بينهن وبين الرجال حائل لا يراهن الرجال, ولكنهن يرقصن على أصوات الرجال من بعيد بحوالي عشرين مترا في ظلام دامس لا يُرى منهن شيء, ترتدي المرأة الملابس السوداء, ترقص رقصا هادئا… والرجال يغنون شعرا ويكفون على أيديهم برفق.” (43) يستمر هذا السامر حتى الفجر لكن هذا الموروث الشعبي الذي ظل يمارسونه لأجيال وأجيال انتهى. لماذا انتهى “السامر”؟ كانت نهايته مع دخول الكهرباء القرية في الثمانينات من القرن الماضي ولذلك هجر الناس هذا “الفن التراثي الشعبي الجميل” (44) لأن من شروط إقامة السامر ورقص النساء أن يكون الظلام دامس وهذا الشرط لم يعد موجود.
كان للطب الشعبي نصيب أيضا في ما توارثته الأجيال, عندما وجدت “حميدة” ثعبان مختبيء في وسط الحمام أخبرت أهل القرية وحين قتله “أبو شنب” قام بسلخه وأخرج منه شحما وقال :” هذا شحم للعلاج, نافع لمرض الروماتيزم .. ويعالج أمراضا كثيرة.” (55)
وكانت هناك بعض من يعتقد في الخرافات كمن تضرب بالودع. كانت “فاطمة حسن” “خطاطة تخط في الأرض وتضرب بنوى التمر على الأرض” (61) وكانت “حميدة تعتقد في ودعها وقدرتها ولذلك كانت تزورها مرتين في الأسبوع لتضرب لها الودع وتطمئنها على ابنها “الشحات” الغائب في ليبيا من سنوات. أما “هنية” ابنة “حميدة” كان لا يعيش لها أبناء فتسأل الخطاطة عن حل لهذه المشكلة, فتنصح “حميدة” بأن تأتي بكلب صغير وتذبحه خلف بيتها وتقوم “هنية” بالمرور من فوقه مرتين وبعد ذلك تأتي بورقة بيضاء مكتوب عليها اسم “هنية” واسم زوجها وتحرقها في البخور.
كان لغياب “الشحات” وسفره دون أي أخبار عنه الأثر الكبير على أمه وهو وحيدها الذي تنتظر عودته. أرسلت له العديد من الخطابات ولم يصلها رد على أي منها. لجأت “حميدة” لشيخ يدعي الدروشة من قرية جنوب محافظة “قنا”, سافرت له بالقطار ودعته لبيتها ودعت أناسا كثر من أهل القرية ومن بينهم الراوي ورفاقه. يصف الراوي ذلك الشيخ بأنه “مخادع ودجال” وكان يضمر الراوي ذلك في نفسه. لكن “حميدة” والبسطاء من أهل القرية يعتقدون في بركته أما النساء فكانوا يباركن لحميدة ويزغردن وكان البعض يدعوه للذهاب لبيوتهم كي تحل البركة. مكث الشيخ ثلاثة أيام عند “حميدة” وكان ينام تحت الشجرة أمام بيتها وكان يقول :” لا يسمح أن ينام أحد بجواره قال: لان الأولياء يزوروني بالليل, ولو رأوا أحدا بجانبي لا يأتون.” (79)
يصف الراوي طيبة قلب “خالتي حميدة” وكرمها وتعاونها مع الجميع ووصفها بأنها كانت أمَا للناس جميعا للصغير والكبير وكانت تخاف على الراوي ورفاقه وخاصة عندما تراهم يسبحون في الترعة خوفا عليهم من الغرق وكانت تقول لهم :” أنا سوف أخبر أهاليكم أنتم غاليين علي مثل “الشحات” ابني” (81)
من عادات العيد التزاور وكان الراوي ورفاقه يقومون بالمرور على “حميدة” لتوزع عليهم الحلوى ويقوم الراوي ورفاقه بالمرورعلى جميع بيوت القرية, فيتم الترحيب بهم ويتم تقديم “الشريك باللبن” وهذا مشروب يتناوله الجميع بعد صلاة العيد.
يصف الراوي آخر حدث يتعلق بما توارثوه في القرية وهوما يمارسه النساء عندما يصيب المرض إحدى النساء. دخل الراوي بيت “حميدة” ليستكشف لماذا النساء عندها متشحات بالسواد؟ وكان عمره حينها تسع سنوات مما مكنه من الدخول عليهن. أخبرته “حميدة” بأنهم بصدد عمل “ميدان” لبنت خالة “وصيفة” ووصفت حالتها بأن “عليها ريح ولمسة جن” (85) وصف الراوي النساء بأنهن قمن بتلطيخ وجوههن بالهباب ومنهن من لطخت وجهها ويديها بالهباب ورأى امرأتين في الثمانين يمسكن بالدفوف وهن من سيقمن بعمل “الميدان”. قامت إحدى النساء بافتتاح الزاروالضرب على الدفوف والغناء الحزين وجميع النساء يغنين ويتمايلن مع الغناء ومنهن من تصرخ وتبكي بنحيب. قامت “حميدة” بإحضار ديك كبير وقامت العكرمية بذبحه ورشت دمه على الفتاة المريضة. ظلت الفتاة المريضة ترتعش وتبكي وتصرخ ثم انتفضت وبعدها قامت نشطة وكأنها كانت في غيبوبة ثم أفاقت. قامت النساء بإطلاق الزغاريد فرحين أن الجن قد خرج منها.
تحققت فرحة “خالتي حميدة” بعودة ابنها “الشحات” بعد غياب عشر سنوات. قامت “حميدة” بذبح خروف وجاء الدراويش وأقامت لهم عشاء. أحضر “الشحات” لأمه راديو وكانت تعلقه في رقبتها وتقول ” الغالي جابه لي من ليبيا” (94)
التحق الراوي بالجامعة وكان يخبر زملائه في جامعة الأزهر عن حياته في “عرب الرشايدة” قائلا :” نحن بدو, وكان طعامنا الثريد واللاحوح والدشيش” (105) وأخبرنا الراوي عند عودته للقرية في أجازة عرف بموت “حميدة” فحزن حزنا شديدا لموتها وتذكر أيام صباه وتسلُق النخيل وتذكر حكاياتها الرائعة. وفي النهاية يقوم أحد زملاء الراوي بإطلاق لقب “الرشيدي” عليه نسبة لقبيلته. ويذكر لنا الراوي أنه تعرض لعضة جمل في طفولته فقامت “حميدة” بإحضار كوب ماء به بعض الرماد كي يشربه فاستنكر الراوي فأخبرته أنه يذهب الخضة.
نرى في هذه الرواية الموروث الشعبي موجود بغزارة وباعتقاد البسطاء من القرية فيما توارثوه من تلك العادات وانتقالها من جيل لجيل حتى جاءت الكهرباء ودخلت الحياة الجديدة فتم اندثار الكثير من ذلك الموروث بما فيه من الكثير من العادات و بعض الخرافات.











