بإعلان المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبيةعن تكريم أربعة من المخرجين المسرحيين وهم حسام الدين صلاح ، حمدي أبو العلا ، هشام جمعة ، محمد جبر فإنه يؤكد فعليا و تاريخيا على مكانتهم الفعلية للمسرح المصري ، ويشكر رئيس المركز القومي للمسرح المخرج عادل حسان وفريق عمله على حسن الاختيار الذي يستحقه المكرمين
وأوردت في مقالي هذا حيثيات دعت لتكريم كل منهم للتدليل على التوفيق في اختيار من يستحق فعليا .
حسام الدين صلاح.. ملك الفرجة المسرحية
وهو اللقب المستحق له من تتبعي ورصدي ونقدي لأعماله وصياغة كتابه عن مسيرته المسرحية يحمل نفس العنوان مسيرة طويلة في المسرح الكوميدي والجماهيري.
ينتمي المخرج حسام الدين صلاح إلى جيل من المخرجين الذين ارتبطت تجربتهم بالمسرح الجماهيري والكوميدي، وبدأ ممارسة المسرح منذ عام 1984، بعد أن تتلمذ على يد الفنان الكبير فؤاد المهندس، الذي أتاح له فرصة الانتقال من العمل كمساعد مخرج إلى الإخراج. ومنذ ذلك الوقت امتدت مسيرته لأكثر من أربعة عقود، وقدم خلالها ما يقرب من خمسين عملًا مسرحيًا، وهو رصيد يعكس استمرارية واضحة في العمل المسرحي وغزارة في الإنتاج.
وتبرز خصوصية تجربته في قدرته على صناعة الفرجة المسرحية الجماهيرية، مع اهتمام خاص بالكوميديا والغناء والاستعراض، واستخدام تقنيات المسرح المختلفة للوصول إلى الجمهور. وقد وصف أحد النقاد تجربته بأنها تجمع بين التمثيل والغناء والاستعراض، مع ميل إلى التجريب في التقنيات واللغة المسرحية، وهو ما يتجلى بصورة خاصة في عروضه الغنائية والاستعراضية.
ومن أبرز محطات تجربته الإخراجية هالة حبيبتي مع فؤاد المهندس، وقاعدين ليه؟ مع سعيد صالح، ويمامة بيضا مع علي الحجار، إلى جانب البلطجية وفي بيتنا حسنين ودقي يا مزيكا وعشا العميان وحريم السلطانة وشاطئ المرح وباي واي فاي وأول يوم جواز وريا وسكينة تاني وعبدالموجود ع الداون لوود، ثم مانجة هندي عام 2022. وتكشف هذه الأعمال عن تنوع بين الكوميديا، والمسرح الغنائي والاستعراضي، والعروض ذات الطابع الجماهيري.
ولا تتوقف أهمية تجربته عند عدد العروض، إذ ارتبط اسمه أيضًا بتقديم وجوه جديدة إلى الجمهور. فقد ذكر أنه أتاح فرصًا لنحو خمسين فنانًا وفنانة خلال مسيرته، وهذه المساهمة في اكتشاف الطاقات الجديدة تمثل جانبًا مهمًا من أثره في الحركة المسرحية.
ومن ثم فإن مناط تميز حسام الدين صلاح، في تقديري، لا يتمثل في عمل واحد أو في ادعاء تأسيس مدرسة إخراجية مستقلة، وإنما في مسيرة مسرحية طويلة وغزيرة، وقدرة على التعامل مع المسرح الكوميدي والجماهيري والغنائي والاستعراضي، والاستفادة من نجوم كبار، إلى جانب اهتمامه بالمواهب الجديدة وإتاحة الفرصة لها.
إن تكريم المخرج حسام الدين صلاح لهو احتفاءً بمخرج أفنى جانبًا كبيرًا من حياته في المسرح، وحافظ على حضوره في المشهد المسرحي عبر أجيال متعاقبة، وأسهم في صناعة الفرجة الجماهيرية وفي تقديم عدد من الوجوه التي واصلت طريقها إلى النجومية.
حمدي أبو العلا.. مسيرة مسرحية تتعدد فيها وجوه التميز
ينتمي المخرج حمدي أبو العلا إلى جيل من المسرحيين الذين امتدت تجربتهم بين الإبداع والإدارة والعمل الثقافي، وارتبط اسمه بصورة خاصة بالمسرح في الإسكندرية وبمسارح الدولة. بدأ مشواره مبكرًا، وتدرج في إدارة عدد من الفرق، من المسرح المتجول والفرقة القومية بالإسكندرية إلى فرقة تحت 18 التي أسسها مع الراحل عبد الغفار عودة، ثم مسرح الغد، كما تولى مسؤوليات إدارية وفنية في عدد من فرق المسرح.
وتتميز تجربته الإخراجية بخصوصية واضحة تتمثل في الحضور الصوفي والروحي الذي تحول لديه إلى ملمح فني في عدد من أعماله، إلى جانب اهتمامه بالمضمون الإنساني والاجتماعي. وقد وصف الناقد أحمد خميس تجربته بأنها من التجارب البارزة في هذا المجال، مشيرًا إلى قدرته على ترجمة هذا البعد الروحي إلى نتائج فنية ملموسة في عروضه.
ولا تقتصر أهمية أبو العلا على عروضه التي أخرجها أو كتبها؛ فقد برز أيضًا بوصفه صانعًا للفرص أمام أجيال جديدة من المسرحيين. وتشير شهادات منشورة إلى دوره في دعم مخرجين وفنانين شباب وإتاحة فرص العمل والتجربة لهم، وهو جانب يتجاوز قيمة المخرج الفرد إلى أثره في استمرار الحركة المسرحية وتواصل أجيالها.
وتظهر رؤيته للمسرح كذلك في رفضه تصنيف قيمة العرض وفق ضخامته أو نوعه، مؤكدًا أن معيار التفوق هو القيمة الفنية للمسرح وقدرته على التعبير، وأن العرض المحدود الإمكانات يمكن أن يتفوق على العرض الضخم إذا امتلك مقومات النجاح. وهي رؤية تتسق مع منهج نقدي يضع القيمة الفنية قبل مظاهر الإبهار.
أما على المستوى الإداري، فقد ترك بصمة واضحة في إدارة الفرق؛ فعندما تولى رئاسة الفرقة القومية للعروض التراثية وضع تصورًا لتطوير بنيتها، وخطة سنوية للعروض، وآليات لمشاركة الفنانين في صناعة القرار، وبرامج للتدريب والورش، وسعى إلى نشر عروض الفرقة في المحافظات.
ومن ثم فإن مناط تميز حمدي أبو العلا لا يكمن في كونه مخرجًا فحسب، وإنما في تراكم أدواره كمخرج وكاتب وممثل ومدير فني وداعم للمواهب الشابة، وفي خصوصية تجربته ذات البعد الصوفي، وفي إسهامه في المسرح السكندري ومسارح الدولة. ولذلك يبدو تكريمه احتفاءً بمسيرة تجاوز أثرها حدود العرض المسرحي الواحد إلى الإسهام في بناء الحركة المسرحية وتواصل أجيالها.
إن تميز حمدي أبو العلا لا ينبغي اختزاله في كونه مخرجًا متعدد الاهتمامات، وإنما تظهر له ثلاثة محاور أكثر تحديدًا:
المسرح الموجه للطفل في بداياته، من خلال فرقة تحت 18، ومنها شطورة وأحلام العصافير وأم الدنيا.
المسرح الاجتماعي والسياسي والتراثي، من العدو في غرف النوم والغرباء لا يشربون القهوة إلى الأعمال التراثية والدينية.
تكوّن مشروع خاص في المسرح الديني والمديح النبوي، وهو ربما أكثر ما يمنح تجربته خصوصيتها في سنواتها الأخيرة، خاصة مع تأسيسه وتطويره للفرقة المصطفوية وتقديم أحب سيدنا النبي والملحمة المحمدية.
أعماله في التأليف والإخراج
أولًا: التأليف
شطورة – 1992، تأليف وإخراج حمدي أبو العلا. وهي أهم حالة موثقة بوضوح للجمع بين التأليف والإخراج في عمل واحد.
فتح الفتوح سيدنا النبي – تأليف وإخراج حمدي أبو العلا، وقدمتها الفرقة القومية للعروض التراثية.
وله كذلك إسهامات شعرية، ومنها أشعار جواز على ورقة طلاق، وإن كان العمل من تأليف ألفريد فرج وإخراج جميل برسوم.
ثانيًا: الإخراج
توثق جريدة مسرحنا مسيرة أوسع بكثير من القائمة المختصرة التي تظهر في بعض قواعد البيانات، وتذكر من أعماله الإخراجية:شطورة، أحلام العصافير، أم الدنيا، العدو في غرف النوم، الصقر الجريء،الغرباء لا يشربون القهوة، زفة صعيدي، أحب سيدنا النبي، فتح الفتوح لحظة صفا،الملحمة المحمدية، بعد أن يموت الملك لصلاح عبد الصبور، و بردة البوصيري في إطار عروضه ذات الطابع الديني والإنشادي.
هشام جمعة.. مسيرة مخرج تستحق التكريم
ينتمي المخرج هشام جمعة إلى جيل المخرجين المصريين الذين برزوا في ثمانينيات القرن العشرين، وأسهموا في إثراء حركة الإخراج المسرحي في مسارح الدولة. وتميزت تجربته بالتنوع في اختياراته وتعدد مجالات اشتغاله، فلم يحصر نفسه في لون مسرحي واحد، بل تنقل بين المسرح الاجتماعي والسياسي والكوميدي، ومسرح الطفل، والعروض ذات الطابع الفرَجوي.
ومن أبرز محطات تجربته إخراجه عروضًا في المسرح الحديث ومسرح الطليعة، ومن بينها برلمان الستات وحمام روماني، إلى جانب للأمام قف والحفلة التنكرية، فضلًا عن اهتمامه بمسرح الطفل والعروض التي تجمع بين التمثيل والغناء والاستعراض. ويكشف هذا التنوع عن قدرة على التعامل مع نصوص وأشكال مسرحية مختلفة، وعن حرص على الوصول إلى شرائح متعددة من الجمهور.
ولم تقتصر مساهمته على الإخراج، إذ مارس التمثيل أيضًا، وتولى مسؤوليات إدارية وفنية في فرقة المسرح الحديث، بما جعله مشاركًا في صناعة الحياة المسرحية المصرية على المستويين الإبداعي والمؤسسي.
وتنبع أهمية تكريمه من كونه أحد أبناء جيل الثمانينيات الذين واصلوا العمل المسرحي على مدى عقود، وأسهموا في حركة مسارح الدولة، وقدموا تجارب متنوعة تجمع بين الممارسة الفنية والعمل المؤسسي. ومن ثم فإن تكريمه يمثل احتفاءً بمسيرة مخرج وفنان واصل عطائه للمسرح المصري، وأسهم في الحفاظ على حضوره وتنوعه وتواصل أجياله.
محمد جبر
حالة مختلفة عن هشام جمعة وحمدي أبو العلا؛ فمناط تميزه الأساسي هو قدرته على صناعة الكوميديا المسرحية الجادة والجماهيرية بإمكانات محدودة، مع اهتمام واضح بالشباب وتكوين الممثلين، وقد تجاوز رصيده المسرحي 70 عملًا .
ينتمي المخرج محمد جبر إلى جيل المخرجين الشباب الذين استطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم حضورًا واضحًا في المسرح المصري خلال السنوات الأخيرة، بعد أن بدأ تجربته من مسرح جامعة عين شمس، ثم درس بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وانتقل إلى العمل في قطاعات مسرحية متعددة. وخلال مسيرته أخرج عشرات العروض، وشارك في تجارب مسرحية وفنية متنوعة، كما عمل مدربًا للتمثيل في ورشة نقابة المهن التمثيلية.
وتتمثل أبرز خصوصية في تجربته في الكوميديا الهادفة؛ فهو لا يتعامل مع الكوميديا باعتبارها مجرد وسيلة للإضحاك، وإنما يوظفها لطرح قضايا اجتماعية وإنسانية وسياسية، مع المحافظة على الإيقاع الجماهيري للعرض. وقد وصفت مسرحنا تجربته بأنها تقدم عروضًا ذات رسالة وهدف بمذاق كوميدي خاص.
وكان عرض 1980 وأنت طالع نقطة التحول الأبرز في مسيرته؛ إذ قدمه بإمكانات إنتاجية محدودة، لكنه استطاع من خلاله جذب جمهور واسع، والمشاركة في مهرجانات مسرحية، وفتح الطريق أمامه لتجارب لاحقة. وتكمن أهمية التجربة في أنها أثبتت أن ضعف الإمكانات المادية لا يحول بالضرورة دون صناعة عرض ناجح إذا امتلك المخرج رؤية واضحة وقدرة على التواصل مع الجمهور.
ومن أبرز أعماله المسرحية 1980 وأنت طالع، البروفة، الطيار، جوازة مرتاحة، أنا مش مسؤول، رضا، وطيب وأمير، إلى جانب مشاركته في مشروع تياترو مصر وإخراجه الجزء الثاني منه، وتجارب ضمن مشروع مسرح النهار، كما أخرج رضا للفرقة القومية بالإسماعيلية، مستثمرًا تاريخ الإسماعيلية وعلاقتها بناديها الإسماعيلي في بناء عرض يرتبط بهوية الجمهور المحلي.
ويضاف إلى تجربته اهتمامه بالممثل وبالطاقات الشابة؛ فقد عمل مدربًا للتمثيل، واستمر في تكوين فرق تضم أجيالًا شابة، وهو ما جعل تجربته تتجاوز إخراج العرض إلى المساهمة في إعداد كوادر جديدة للمسرح. وقد ارتبطت 1980 وأنت طالع تحديدًا بمجموعة من الشباب الذين واصل بعضهم العمل المسرحي بعد نجاح التجربة.
ومن ثم فإن مناط تميز محمد جبر، في تقديري، لا يكمن فقط في كثرة إنتاجه المسرحي، وإنما في قدرته على الجمع بين الكوميديا والرسالة، والإمكانات المحدودة والنجاح الجماهيري، والعمل المستقل ومؤسسات المسرح، وإخراج العرض وتدريب الممثلين ودعم الأجيال الشابة. ولهذا يمكن النظر إلى تكريمه باعتباره احتفاءً بمخرج استطاع أن يجعل من الكوميديا وسيلة للتواصل مع الجمهور، وأن يقدم نموذجًا للمسرح الذي يستطيع أن يحقق حضوره الفني والجماهيري دون الاعتماد بالضرورة على ضخامة الإنتاج.











