القواعد العامة للأهلية القانونية هي الأحكام التي تحدد صلاحية الإنسان لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات ومباشرة التصرفات بنفسه. تُعد أحكام الأهلية من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على مخالفَتِها أو تعديلها.
وفقاً لنص المادة ١١٤ من القانون المدني المصري أنه “يقع باطلاً تصرف المجنون والمعتوه إذا صدر التصرف بعد تسجيل قرار الحجر، أما إذا صدر التصرف قبل تسجيل قرار الحجر، فلا يكون باطلاً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد أو كان الطرف الآخر على بينة منها.
ويؤخذ من ذلك وجوب تسجيل قرار الحجر، وبطلان ما يقع بعد ذلك من تصرفات من المجنون أو المعتوه ولا فرق في ذلك بين ما إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد أو غير شائعة، معلومة للطرف الآخر أو غير معلومة، ولا بين ما إذا كان العته يذهب التمييز أو لا يذهب به مادام قرار الحجر لم يبين ذلك، وقد أجازت المواد ١٠٢٦ وما بعدها من قانون المرافعات المصري طلب الحجر ورتبت عليه إمكان الاحتجاج على الغير بقرار الحجر من وقت تسجيل الطلب
_ رأي محكمة النقض المصرية
قضت محكمة النقض بما يتفق و نصوص هذه المواد – ولكن فى شأن التصرفات السابقة على تسجيل قرار الحجر، أو على تسجيل طلب الحجر إن كان قد سجل، فيشترط في بطلانها ثبوت حالة الجنون أو العته الذي يذهب بالتمييز وقت التعاقد وذيوع هذه الحالة أو علم الطرف الآخر بها، ويكتفي بثبوت أحد هذين الأمرين لإبطال التصرف، ولا يشترط ـ كما هو الحال بالنسبة للسفيه وذي الغفلة ـ كون التصرف نتيجة استغلال أو تواطؤ.
{ الطعن رقم ١٣ لسنة ٤٥ قضائية}
٣ : _ المعتوه :
المعتوه كالمجنون يُـحجر عليه وينَـصَّب له قيِّٕم إذا لم يكن له ولى أو وصى والقيم على المعتوه ووليه ووصيه كالقيِّـم على المجنون ووليه ووصيه من حيث مدى الولاية .
أما المعتوه نفسه فقد يكون غير مُـمَـيِّـز فتكون أهليته معدومة ، شأنه في ذلك شأن الصغير غير المُـمَيـّز والمجنون . وقد يكون مُمَـيـِّزاً فتكون عنده أهلية الصبي المُـمَـيِّـز و قد سبق بيان ذلك .
٤ : _ ذو الغفلة والسفيه :
الفقرة الأولى من المادة ١١٥ من القانون المدني الجديد نصت على أنه ” إذا صدر تصرف من ذى الغفلة أو من السفيه بعد تسجيل قرار الحجر سري على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المُـمَـيِّز من أحكام ” . ويتضح من ذلك أن ذا الغفلة والسفيه يحجر عليهما وينصب لهما قَيم . وتكون أهليتهما بعد تسجيل قرار الحجر ناقصة كأهلية الصبي المميز ، فتثبت لهما أهلية الاغتناء ، وتتقيد أهلية الإدارة وأهلية التصرف بالقيود التي سبق ذكرها في الصبي المُـمَـيِّز ، وتنعدم أهلية التبرع .
واستثنى في أهلية التصرف نوعان من التصرفات هما الوقف والوصية ، فهذان يكونان صحيحين إذا صدرا من السفيه أو ذي الغفلة وأذنته المحكمة فيهما . حيث ورد هذا الاستثناء بحكم الفقرة الأولى من المادة ١١٦ إذ تنص على أن ” يكون التصرف المحجور عليه لسفه أو غفلة بالوقف أو بالوصية صحيحاً متى أذنته المحكمة في ذلك “
كذلك يجوز للمحجور عليه للسفه أو الغفلة أن يتسلم أمواله كلها أو بعضها لإدارتها على النحو الذي رأيناه في الصبي المُـمَـيِّـز الذي بلغ الثامنة عشرة وفي الحدود التي سبق ذكرها هناك . وإذا كانت الفقرة الثانية من المادة ١١٦ مقصورة في هذا الصدد على السفيه إذ تنص على أن ” تكون أعمال الإدارة الصادرة من المحجور عليه لسفه المأذون له بتسلم أمواله صحيحة في الحدود التي رسمها القانون ” ، فإن المادة ٤٣ من قانون المحاكم الحسبية تشمل كلا من السفيه وذى الغفلة إذ تنص على أنه ” يجوز للمحجور عليه للسفه أو الغفلة أن يقف أمواله أو يوصى بها متى أذنته المحكمة بذلك ، وكذلك يجوز له بإذن من المحكمة أن يتسلم أمواله كلها أو بعضها لإدارتها ، فإذا أذنته المحكمة بذلك سرت عليه أحكام المواد ٣و ٤و ٥ من هذا القانون.
هذا هو حكم تصرفات السفيه وذى الغفلة بعد تسجيل قرار الحجر . أما التصرفات الصادرة قبل تسجيل قرار الحجر فهي في الأصل صحيحة ، لأن إنتقاص الأهلية لا يثبُـت إلا بالحجر . وهذا هو رأي الإمام أبي يوسف ، خلافاً لرأي الإمام محمد الذي يذهب إلى أن الحجر للسفه يثبت بقيام السبب نفسه لا بحكم القاضي . ولا يسري الحجر في حق الغير إلا من وقت تسجيل القرار الصادر به وفقاً للمبادئ العامة . ولا يَحتج الغير بعدم علمه بالحجر متى كان القرار مُسجلا .
لكن يقع كثيرا أن السفيه أو ذا الغفلة يتوقع الحجر عليه فيعمد إلى تبديد أمواله بالتصرف فيها إلى من يتواطأ معه على ذلك ، أو أن ينتهز الغير هذه الفرصة فيستصدر منه تصرفات يستغله بها ويبتز أمواله . ففي هاتين الحالتين( حالة التواطؤ وحالة الاستغلال ) يكون تصرف السفيه أو ذى الغفلة باطلاً إذا كان من أعمال التبرع ، أو قابلاً للإبطال إذا كان من أعمال التصرف أو أعمال الإدارة . وهذا ما استقر عليه القضاء المصري في ظل القانون القديم، وأكده القانون الجديد في الفقرة الثانية من المادة ١١٥: إذ تنص على ما يأتي : ” أما التصرف الصادر قبل تسجيل قرار الحجر فلا يكون باطلا أو قابلا للإبطال إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ.
ويُـنَـصَّب القَـيِّـم على السفيه وذى الغفلة على النحو الذي يُـنَـصَّب به القَـيِّـم على المجنون والمعتوه أو يُعيَّن به الوصى على القاصر . ولا تستمر الولاية أو الوصاية على القاصر إذا بلغ سفيها أو ذا غفلة ، بل يجب الحجر عليه ونصب قيم له كما قدمنا . وولاية القَـيِّـم على مال السفيه وذى الغفلة كولايته على مال المجنون والمعتوه وكولاية الوصي على مال القاصر ، وقد تقدم ذكر ذلك.
سادساً :_ حالات تلحق بالأهلية – الغائب والمحكوم عليه بعقوبة جناية :
يوجد حالتان تلحقان عادة بالأهلية ، ولكنهما لا يتصلان بها إلا من حيث مظاهر الحَجر وإقامة نائب عن المحجور ، وهما حالتا ( الغائب والمحكوم عليه بعقوبة جناية )
الحالة الأولى: الغائب وردت بنص المادة ٥٠ من قانون المحاكم الحسبية والتى تقرر بأن الغائب
” هو كل شخص كامل الأهلية لا تـُعرف حياته أو مماته ، أو تكون حياته مُحققة ولكنه هجر موطنه راضياً أو مُرغماً وحالت ظروف قاهرة دون إدارته شؤونه بنفسه أو بوكيل عنه مدة أكثر من سنة ، وترتب على ذلك أن تعطلت مصالحه أو مصالح غيره ” .
ومن قراءة النص يتضح أن الغائب شخص كامل الأهلية كما هو صريح النص ، ولكن الضرورة قضت بإقامة وكيل عنه يدير شؤون حتى لا تتعطل مصالحه ومصالح الناس . ويُـلاحظ أن المُشرع إستعمل لفظ ” الغائب ” لا لفظ ” المفقود ” لأن اللفظ الأول ينطوي على معنى أعم من المعنى الذي ينطوي عليه اللفظ الثاني . فالمفقود في الشريعة الإسلامية هو من يختفى بحيث لا يعرف أ حيٌّ هو أم ميت ، أما الغائب فهذا وغيره ممن تكون حياته محققة ولكنه بعد عن موطنه بحيث لم يعد يستطيع أن يدير شؤونه بنفسه .
وقد قضت المادة ٥١ من قانون المحاكم الحسبية بأنه ” إذا ترك الغائب وكيلاً عاماً تحكم المحكمة بتثبيته متى توافرت فيه الشروط الواجب توافرها في الوصي ، وإلا عينت غيره “
كما قضت المادة ٥٣ من هذا القانون بأن ” يسري على الوكيل عن الغائب حكم المادة ٣٣ من هذا القانون ، وفيما عدا ما استـُثني بنص صريح في هذا الفصل يسري على الغيبة ما يسرى على الوصاية من أحكام أخرى ” .
كما قضت المادة ٥٢ من القانون ذاته بأن ” تنتهي الغيبة بزوال سببها أو بموت الغائب أو بالحكم من جهة الأحوال الشخصية المختصة باعتباره ميتاً وفقاً لأحكام المرسوم بقانون رقم ٥٢ سنة ١٩٢٩ ” .
الحالة الثانية: المحكوم عليه بعقوبة جناية فتقضى أحكام قانون العقوبات بأن ” يكون محجوراً عليه مدة تنفيذ العقوبة ، ويختار قَـيِّـما تصد عليه المحكمة ، أو يُـعيَّن القَـيِّم المحكمة المدنية الكلية التي يقع في دائرتها محل إقامته إذا لم يختر أحداً . ويتولى القَـيِّم إدارة ماله .
أما أعمال التصرف فلا بد فيها من إذن المحكمة المدنية وإلا كانت باطلة .
وعلى ضوء ذلك فإن الحَـجر على المحكوم عليه لا يرجع لنقص أهليته ، فهو كامل الأهلية لأنه كامل التمييز وإنما وقع الحجر عليه لاستكمال العقوبة من جهة ، وللضرورة من جهة أخري.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










