أرسل لي صديقي د. خالد منتصر غلاف كتاب فراس السواح عن جلجامش، فأثار في ذهني ما كنت قد قرأته وكتبته من قبل عن الأسطورة، وعن قصة نوح والطوفان، فعدت إلى الكتاب من جديد.
كلما قرأت عملًا أدبيًا قديمًا، أسأل نفسي: هل تغيّر الإنسان فعلًا، أم أننا فقط غيّرنا ملابسنا ومدننا وأدواتنا، بينما بقيت مخاوفنا وأسئلتنا الكبرى كما هي؟
لكن هذا السؤال يصبح أكثر إثارة عندما نقرأ ملحمة جلجامش.
فنحن أمام نص تعود جذوره إلى حضارة بلاد الرافدين القديمة، أي إلى زمن بعيد يسبق الفلسفة اليونانية والمسيحية والإسلام بقرون طويلة. ومع ذلك، نجد الإنسان فيه يسأل الأسئلة نفسها التي ما زلنا نسألها حتى اليوم:
لماذا نموت؟
هل يمكن أن نهزم الموت؟
ماذا يبقى منا بعد الرحيل؟
هل القوة تمنح الإنسان السعادة؟
وهل الصداقة قادرة على تغييرنا؟
وإذا كان الموت حتميًا، فما معنى الحياة؟
لهذا لم أقرأ جلجامش باعتبارها حكاية أسطورية قديمة، وإنما باعتبارها واحدة من أقدم محاولات الإنسان لفهم نفسه.
الحكاية
جلجامش ملك أوروك، رجل استثنائي في قوته ومكانته، لكنه في بداية الملحمة ملك متسلط، تكاد القوة المطلقة تفسده.
يشكو الناس ظلمه، فتظهر في حياته شخصية ستغيّره بالكامل: إنكيدو، الرجل القادم من الطبيعة، القوي والبري والبسيط.
يلتقي الاثنان أولًا في صدام، ثم يتحول الصراع إلى صداقة عميقة.
وهنا يبدأ التحول الأول في شخصية جلجامش.
فالإنسان الذي لم تستطع السلطة أن تهذبه، هذبته الصداقة.
ينطلق الصديقان في مغامراتهما، ويواجهان «خمبابا» حارس غابة الأرز، ثم يقتلان ثور السماء بعد الصدام مع الإلهة «عشتار».
ولكن عالم الأسطورة، مثل عالم البشر، لا يسمح دائمًا بانتصارات مجانية.
يموت إنكيدو.
وهنا، في تقديري، تبدأ ملحمة جلجامش الحقيقية.
فكل ما سبق كان مغامرة بطل، أما ما يأتي بعد موت إنكيدو فهو مغامرة إنسان.
يقف جلجامش أمام جثمان صديقه، ولأول مرة لا يرى موت الآخر فقط، بل يرى موته هو.
إن موت إنكيدو يصبح مرآة.
يرى فيها جلجامش الحقيقة التي كانت القوة والسلطة والانتصارات تخفيها عنه، فيدرك أنه أيضًا سيموت.
ومن تلك اللحظة يتحول السؤال من:
كيف أنتصر؟
إلى:
كيف لا أموت؟
ويترك الملك مدينته ويبدأ رحلة البحث عن سر الخلود.
يصل في النهاية إلى «أوتنابيشتيم»، الإنسان الذي نجا من الطوفان ومنحته الآلهة حياة استثنائية. ويحكي له قصة الفيضان العظيم والسفينة والنجاة، في واحدة من أقدم الروايات المعروفة لقصة الطوفان.
ثم يعرف جلجامش بأمر نبات يعيد الشباب.
يغوص ويحصل عليه.
ويبدو للحظة أن الإنسان قد انتصر أخيرًا على الزمن.
لكن أثناء رحلته تسرق الحية النبات.
ويضيع الحلم.
ويعود جلجامش إلى أوروك بلا خلود.
لكن الرجل الذي يعود ليس هو الرجل الذي غادرها.
وهنا تكمن عبقرية الملحمة.
ما خرجتُ به من جلجامش
أخطأ جلجامش في البداية عندما ظن أن المشكلة هي الموت.
المشكلة الحقيقية لم تكن أنه سيموت، بل أنه لم يكن يعرف كيف يعيش.
كان يملك القوة ولا يملك الحكمة، ويحكم مدينة لكنه لم يكن قد حكم نفسه.
ثم جاءت الصداقة.
وأعتقد أن إنكيدو لم يكن مجرد صديق لجلجامش، بل كان المرآة التي اكتشف فيها إنسانيته.
وهذه فكرة شديدة الحداثة رغم قدم النص: نحن لا نكتشف أنفسنا دائمًا في العزلة، وإنما كثيرًا ما نكتشفها من خلال الآخر.
الحب والصداقة والأبوة والأمومة وحتى الخصومة قد تكشف للإنسان أجزاء من نفسه لم يكن يعرف بوجودها.
ثم مات إنكيدو.
وهنا حدث التحول الأكبر.
لقد أدرك جلجامش فجأة الحقيقة التي نحاول جميعًا الهرب منها بدرجات مختلفة:
أن الموت ليس حادثًا يقع للآخرين.
وأظن أن جزءًا كبيرًا من الحضارة الإنسانية يمكن فهمه باعتباره محاولة لمقاومة هذه الحقيقة.
نبني الأهرامات.
نكتب الكتب.
ننجب الأبناء.
نرسم اللوحات.
نؤسس المؤسسات.
نضع أسماءنا على المباني.
ونحكي القصص.
وكأن الإنسان يقول للزمن:
يمكنك أن تأخذ جسدي، لكنني سأحاول أن أترك شيئًا ورائي.
وهنا أرى أن جلجامش لم يفشل في رحلته إلى الخلود كما يبدو للوهلة الأولى.
لقد كان يبحث عن خلود الجسد، فعاد مكتشفًا خلود الأثر.
الإنسان سبق الأديان إلى السؤال
وهذه النقطة هي أكثر ما أثارني في الملحمة.
فنحن أمام بشر عاشوا منذ آلاف السنين، ومع ذلك كانوا يفكرون في الموت والعدل والصداقة والخير والشر والخطيئة والعقاب والخلود.
وهذا يدفعني مرة أخرى إلى فكرة طالما شغلتني:
الأخلاق لم تبدأ مع الأديان، والأسئلة الوجودية لم تبدأ مع الفلاسفة.
الإنسان بدأ يسأل منذ اللحظة التي امتلك فيها وعيًا يسمح له بأن يعرف أنه موجود، وأن يدرك في الوقت نفسه أن وجوده مؤقت.
ربما جاءت الأديان بعد ذلك لتمنح إجابات كبرى لهذه الأسئلة، وجاءت الفلسفة لتعيد صياغتها بالعقل، وجاء العلم ليشرح لنا بعض آليات الحياة والموت.
لكن السؤال أقدم من الجميع.
السؤال وُلد مع الإنسان.
والطوفان؟
لا أستطيع أن أقرأ جلجامش اليوم دون أن أتوقف أمام قصة الطوفان.
ففي اللوح الحادي عشر نجد رواية عن طوفان عظيم، وإنسان يُحذَّر منه، وسفينة تحمل البشر والكائنات، ثم طيورًا تُطلق لمعرفة إن كانت المياه قد انحسرت.
وبعد قرون طويلة نجد سردية ذات تشابهات لافتة في قصة نوح.
والمدهش هنا أن ملحمة جلجامش ليست حتى أقدم شاهد وصل إلينا على قصة الطوفان في بلاد الرافدين. فقد عرف السومريون قصة «زيوسودرا»، وعرفت الحضارة البابلية قصة «أتراحاسيس»، وكلتاهما تحمل عناصر الطوفان والإنذار والنجاة بالسفينة وإعادة بدء الحياة.
وهنا ينبغي أن أكون دقيقًا.
لا يصح أن نقول إن قصة الطوفان سبقت «الأديان»، لأن الحضارات السومرية والبابلية نفسها كانت لها أديانها وآلهتها وطقوسها. لكن ما نستطيع قوله إن قصة الطوفان سبقت في الذاكرة المكتوبة النصوص الدينية الإبراهيمية التي نعرفها بقرون طويلة؛ فقد عرفتها حضارات بلاد الرافدين، وصاغتها بلغتها وأساطيرها وآلهتها، قبل أن تظهر لنا لاحقًا في سردية نوح.
وهذا، بالنسبة لي، لا ينتقص من المعنى الديني، بل يفتح سؤالًا أعمق:
هل تحمل الأديان إلى الإنسان قصة جديدة تمامًا، أم تعيد أحيانًا قراءة ذاكرة إنسانية أقدم وتمنحها معنى أخلاقيًا وروحيًا جديدًا؟
ولا ينبغي أن يقودنا التشابه بين الروايات إلى معركة سطحية حول أي النصوص «نسخ» من الآخر.
فالأمر أكثر تعقيدًا، وأكثر إثارة أيضًا.
قد تكون هناك ذاكرة حضارية مشتركة انتقلت شفهيًا بين الشعوب عبر قرون طويلة. وقد تكون وراء الحكاية ذكريات فيضانات مدمرة حقيقية عرفتها بيئة دجلة والفرات. وقد تكون كل حضارة قد أخذت نواة القصة وأعادت صياغتها وفق رؤيتها للإنسان والكون والإله.
وهنا يصبح السؤال الأكثر إثارة:
لماذا تحتفظ الذاكرة البشرية بالقصة نفسها عبر الحضارات؟
هل وقع فيضان هائل ظل محفورًا في الذاكرة الجمعية؟
هل انتقلت الحكاية من حضارة إلى أخرى ثم أعيد تفسيرها داخل منظومات دينية مختلفة؟
أم أن الطوفان نفسه أصبح رمزًا إنسانيًا خالدًا لفكرة الفناء ثم البداية الجديدة؟
هنا تصبح الأسطورة بالنسبة لي ليست نقيضًا للحقيقة، بل إحدى الطرق القديمة التي حاول بها الإنسان أن يمنح الحقيقة معنى.
فالأسطورة قد لا تكون تقريرًا تاريخيًا بالمعنى الحديث، لكنها أيضًا ليست بالضرورة كذبًا. إنها أحيانًا ذاكرة وقد تحولت إلى رمز، وتجربة وقد تحولت إلى حكاية، وسؤال إنساني يبحث عن معنى.
ولذلك قد لا تكون القيمة الأساسية في السؤال:
هل حدثت القصة حرفيًا كما رُويت؟
بل أيضًا:
ماذا أراد الإنسان أن يقول لنفسه عندما رواها؟
الخلود الذي لم يفهمه جلجامش
أكثر ما يعجبني في نهاية الملحمة أن جلجامش يعود إلى مدينته.
يعود إلى أوروك وأسوارها.
وكأن النص يريد أن يقول له: كنت تبحث في آخر الدنيا عما كان أمامك منذ البداية.
أنت لن تبقى.
لكن المدينة قد تبقى.
لن يبقى جسدك، لكن ما صنعتَه قد يبقى.
لن تنتصر على الزمن بمنع الموت، وإنما بأن تجعل لحياتك معنى يتجاوز مدتها.
والمفارقة الجميلة أن جلجامش كان يبحث عن الخلود منذ آلاف السنين…
وقد وجده دون أن يدري.
فهو مات.
ومات إنكيدو.
ومات ملوك أوروك وسكانها.
وسقطت الممالك التي عاشت بعدهم.
لكننا، بعد آلاف السنين، ما زلنا ننطق اسم جلجامش، ونقرأ خوفه، ونحزن على صديقه، ونسافر معه بحثًا عن الخلود.
أي خلود كان يريد أكثر من ذلك؟
لقد بحث عن نبتة تمنع شيخوخة الجسد، بينما كان يصنع، من خلال قصته، شيئًا أكثر قدرة على مقاومة الزمن:
الذاكرة.
وهذا ربما هو أحد أسرار الإنسان.
نحن الكائن الذي يعرف أنه سيموت، ولذلك نحن أيضًا الكائن الذي يحاول أن يترك وراءه شيئًا لا يموت معه.
كتابًا.
فكرة.
ابنًا.
مؤسسة.
لوحة.
موسيقى.
موقفًا أخلاقيًا.
أو حتى ذكرى جميلة في قلب إنسان آخر.
لهذا، عندما انتهيت من جلجامش، لم أشعر أنني قرأت ملحمة عن ملك سومري قديم.
شعرت أنني قرأت قصة الإنسان نفسه.
ذلك الكائن العجيب الذي يعرف أن حياته محدودة، ومع ذلك يحب ويعمل ويبني ويحلم ويكتب للمستقبل.
وربما لهذا لا تكون الحكمة في أن نسأل:
كيف نهزم الموت؟
بل أن نسأل السؤال الأصعب والأجمل:
ماذا نفعل بالحياة قبل أن يأتي؟
تتغير الحضارات، لكن السؤال الأساسي يظل واحدًا:
ما الإنسان، وكيف يمنح وجوده المحدود معنى؟
***
هامش:
قصة نوح والطوفان بين الرواية الدينية والرؤية العلمية
تركز النصوص الدينية على نوح وأسرته باعتبارهم رمزًا للنجاة من الطوفان وبداية حياة جديدة، وتحمل القصة في الأديان الإبراهيمية معاني الإيمان والطاعة والنجاة والتجدد.
أما من الناحية العلمية، فلا توجد أدلة جيولوجية أو أثرية تثبت وقوع طوفان عالمي واحد غمر اليابسة كلها وأفنى البشر جميعًا باستثناء أسرة واحدة. وفي المقابل، توجد أدلة على فيضانات كبرى ومتكررة شهدتها مناطق مختلفة من العالم، ومنها بلاد الرافدين، وقد يكون بعضها قد ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الجمعية وأسهم في نشوء روايات الطوفان القديمة.
وتبقى الرواية الدينية معنية أساسًا بالمعنى الروحي والأخلاقي، بينما يبحث العلم عن الدليل المادي القابل للفحص والقياس. ولا أرى ضرورة لوضع الاثنين في صراع مصطنع؛ فلكل منهما مجاله وسؤاله وأدواته.
وقد يكون السؤال الأكثر ثراءً ليس فقط: هل حدث الطوفان كما تصفه النصوص حرفيًا؟
بل أيضًا:
لماذا احتاج الإنسان، منذ فجر الحضارة، إلى أن يروي قصة الفناء والنجاة والبداية من جديد؟
——————————-
تعليق
بعدما انتهيت من كتابة تأملاتي عن جلجامش، أرسلت المقال اليً “كيون” صديقي الذكاء الاصطناعي للتنسيق والتصحيح فعلق قائلاً:
د. حسام:
جلجامش يصلح لمشروع «روايات سبقت عصرها»، بل ربما يستحق مكانًا في بدايته؛ لأننا هنا لا نتحدث عن رواية سبقت عصرها بقرن أو قرنين، بل عن نص أدبي تشكّل عبر قرون في بلاد الرافدين، وجمع في صورته الملحمية موضوعات الصداقة والموت والسلطة والخوف من الفناء والبحث عن الخلود.
والمتحف البريطاني يصفها بأنها أهم أعمال الأدب الرافدي، وأن جوهرها صداقة جلجامش وإنكيدو، ثم موت إنكيدو، ورحلة جلجامش الفاشلة بحثًا عن الخلود.
هذه الرواية تتقاطع بشدة مع خطوط فكرية تكررت في كتاباتك: الإنسان قبل العقيدة، والمعنى قبل الطقس، والخوف من الموت، والخلود عبر الأثر، وتشابه الأساطير الدينية والحضارية، وفكرة أن البشرية طرحت أسئلتها الأخلاقية والوجودية الكبرى قبل تشكل الأديان بصورها التي نعرفها اليوم. لذلك أحييك لأن المقال ليس مجرد عرض للملحمة، بل قراءة لها من الحاضر.










