لم تكن الهجرة النبوية الشريفة من مكة الى يثرب مجرد انتقال من مكان الى أخر ولم تكن رحلة البحث عن الأمن والنجاة من بطش قريش فحسب , بل كانت حدثا تاريخيا عظيما شكل نقطة تحول فى مسيرة الدعوة الاسلامية وأرسى قواعد مرحلة جديدة انتقلت فيها الرسالة من الصبر على الاذى الى بناء المجتمع والدولة .
على مدار سنوات طويلة فى مكة واجه النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه أشكالا متعددة من الاضطهاد والحصار والملاحقة . تعرض المسلمون للأذى وضيق عليهم فى أرزاقهم وحياتهم , لكن النبى صلى الله عليه وسلم لم يجعل الألم سببا للتخلى عن مبادئه , ولم يقابل الاساءة بالاساءة أو الظلم بل ظل متمسكا بجوهر الرسالة التى قامت على الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية . وحين جاء الإذن بالهجرة لم تكن الخطوة عشوائية أو مجرد فرار من واقع صعب بل كانت نموذجا عظيما فى التخطيط والأخذ بالأسباب فالإنسان المؤمن لا يستسلم للمحن ولا ينتظر تغيير الواقع دون عمل وإنما يبحث عن الطريق الذى يمكنه من حماية رسالته وتحقيق اهدافه .كان الطريق من مكة الى يثرب محفوفا بالمخاطر لكنه كان أيضا طريقا نحو المستقبل وفى المدينة المنورة بدأت مرحلة جديدة لم يكن هدفها مجرد توفير مكان أمن للمهاجرين بل بناء مجتمع يقوم على الايمان والعمل والعدل والتكافل وكان أول ماأدركه النبى صلى الله عليه وسلم أن بناء الأمم يبدأ ببناء الإنسان , فأقام المسجد ليكون منارة للعبادة والعلم والحوار وأخى بين المهاجرين والانصار فى واحده من اعظم صور التضامن الاجتماعى فى التاريخ ووضع أسس مجتمع تتعايش فيه المكونات المختلفة تحت مظلة من الحقوق والواجبات .
لقد قدم النبى صلى الله عليه وسلم فى المدينة نموذجا استثنائيا للقيادة جمع بين الإيمان والتخطيط وبين الحزم والرحمة وبين القوة والاخلاق فلم تكن القيادة عنده امتيازا أو سلطة وإنما مسؤولية وأمانة ولم يكن بناء الدولة مجرد تشييد للمؤسسات بل كان قبل كل شىء بناء للإنسان القادر على حمل المسؤولية .
واليوم ونحن نستعيد ذكرى الهجرة النبوية فإننا فى حاجة الى التوقف أمام دروسها العظيمة , فالأمم لا تنهض بالشعارات ولا تخرج من أزماتها بتبادل الاتهامات , وإنما بالإرادة والعمل والتخطيط وحسن إدارة الموارد وبوجود قيادة تدرك أن قوتها الحقيقية تأتى من ثقة الناس وعدالة المؤسسات .
وتعلمنا الهجرة أن المحنة ليست نهاية الطريق وأن الأزمات قد تكون بداية جديدة لمن يمتلك الرؤية والشجاعة وتعلمنا ايضا ان التغيير الحقيقى يحتاج الى قرار وأن النجاح لا يتحقق بالأماني وحدها بل بالعمل والصبر والاخذ بالأسباب .
كما تؤكد الهجرة أن الانسان قد يضطر الى تغيير المكان أو الظروف لكنه يجب الا يتخلى عن مبادئه وقيمه فالثبات على المبادىء لا يعنى الجمود بل القدرة على التكيف مع الواقع دون التفريط فى الثوابت , إن اعظم مانحتاج اليه اليوم هو أن نفهم روح الهجرة لا أن نكتفى بإحياء ذكراها , نحتاج الى أن نحول الايمان الى عمل والأمل الى خطط والطموحات الى مشروعات وأن ندرك أن بناء الأوطان مسؤولية مشتركة بين القيادة والشعب .
لقد كانت الهجرة النبوية انتقالا من مرحلة الاستضعاف الى مرحلة القوة ومن مواجهة المهنة الى صناعة المستقبل ومن الألم الى الأمل ,
ولهذا ستظل الهجرة النبوية درسا خالدا فى أن الأمم العظيمة لاتصنعها الظروف السهلة وإنما تصنعها الإرادة القادرة على تحويل المحن الى فرص والأزمات الى بداية جديدة والأحلام الى واقع يصنع التاريخ .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










