بحلول شهر ربيع الأنور، تتجدَّد ذكرى المولد النبوي الشريف، فتشرق في القلوب أنوار السيرة العطرة، وتسمو الأرواح بذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، وهدايةً للناس أجمعين، وفي هذه المناسبة المباركة، نستحضر شمائله الكريمة، وخصالة المجيدة ، وأخلاقه العظيمة، وسيرته المباركة، التي كانت وما تزال وستبقى نبراساً يهدي الإنسانية إلى طريق الحق .
إنها ذكرى تُجدِّد في النفوس معاني الإيمان، وتدعونا إلى الاقتداء بهديه، والتحلي بأخلاقه، والتمسك بسنته، صلى الله عليه وسلم، من خلال التعرَّف إليه ، والتعريف به صلى الله عليخه وسلم .
وحريٌّ بنا معشر المسلمين أن نتعرَّف على حبيب الحق وخير الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
يقول الله تعالى في محكم تنزيله في سورة الحجرات (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ..) يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: وقوله سبحانه : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ..) أي : اعلموا أن بين ظهرانيكم رسول الله فعظِّموه ووقِّروه ، وتأدَّبوا معه ، وانقادوا لأمره ، فإنه أعلم بمصالحكم ، وأشفق عليكم منكم ، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم ، كما قال تعالى في سورة الأحزاب : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ..)
ويقول جل شأنه في سورة المؤمنون: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ )
يقول المفسرون: لقد نشأ النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أربعين سنة قبل البعثة، وعرفوه بالصدق والأمانة والنزاهة حتى لقبوه بـ “الصادق الأمين”، فكيف يُنكرونه اليوم، أو يجحدون رسالته؟
ويقول علّامة عصره وقطب زمانه الشيخ الإمام عبدالله سراج الدين في كتابه (محمد رسول الله) بتصرف : إن حقاً على الأمة جمعاء أن تتعرَّف إلى هذا الرسول الكريم وشمائله الحميدة وخصائله المجيدة ؛ لأن الله تعالى أمر العباد أن يؤمنوا بهذا الرسول الكريم فقال سبحانه في سورة التغابن : (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
والإيمان به صلى الله عليه وسلم يتطلَّب من العباد أن يعرفوا فضل هذا النبي الكريم، ورفعة مستواه على غيره، وما أسبغ الله تعالى عليه من الكمالات ، وما أدَّبه من الآداب ، وما وهبه من الخُلُق العظيم، وما أبدع فيه سبحانه من المحاسن ، وجمع فيه مجامع الكمالات ، ففضَّله سبحانه على سائر مخلوقاته، ورَبّاه بعنايته ، وكلأه بحفظه ، وصانه برعایته ، فقال جل شأنه في سورةالضحى: (أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ *وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ * َوَجَدَكَ عَآئِلٗا
فَأَغۡنَىٰ )
وتولَّى سبحانة إقراءه وتعليمه ، في حين أنه صلى الله عليه وسلم نشأ أمياً ، لم يقرأ ولم يكتب، فقال له سبحانه في سورة العلق : (إقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ..) أي : لا بدراستك ولا بثقافتك ولا بعلمك ولا بمعرفتك، وقال جل شأنه في سورة الأعلى : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ) ، وقال أصدق القائلين في سورة النساء: : (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).
ويردف الشيخ الإمام : وإن مقام (يُوحَى إلَيَّ..) في قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ .. ) يلفت الأنظار إلى موضع الاعتبار في شأن هذا الرسول المختار، ويشير إلى خصائص هذا النبي الكريم ، الذي هيأه الله تعالى وأهَّله ، وأعدّه وأمدّه في روحه وجسمه ، وعقله وفهمه ، وسمعه وبصره ، وسائر مدارکه وجوارحه ، وجوانحه ، وأعطاه قابلية الاختصاص لأن يتلقى الوحي بجميع طرائق الوحي من رب العالمين، ومِنْ ثَمَّ لما واصل الصيام ، واصل بعض أصحابه معه، فنهاهم عن الوصال ، فقالوا: نراك تواصل يارسول الله ؟، فقال: إني لست مثلكم ـ وفي رواية: إني لست كهيئتكم ـ أبيت يطعمني ربي ويسقيني، كما جاء في الصحيحين.
فهو صلى الله عليه وسلم بشر لا كالبشر، كما أن الياقوت حجر لا كالحجر.
ويجب علينا أن نتعرَّف على حبيبنا المصطفى لأن الله تعالى أمر العباد باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فجعل سبحانه الدليلَ الصادق على محبته هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى : ( ..وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي : إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة، وهذا يتطلَّب البحث عن أعماله صلى الله عليه وسلم ، وعن أقواله وأحواله، ويتطلَّب التعرُّف إلى سجاياه الكريمة وأخلاقه العظيمة ، ليُتَأسى به ، وليُتَّبَعَ في ذلك اتباعاً كاملاً شاملاً ، إلا فیا خصّه الله تعالی به من الأحكام والأحوال .
ومِنْ ثَمَّ كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحرصون كل الحرص على تتبُّع أقواله وأفعاله ، وأحواله وآدابه وأخلاقه ، ليتبعوه في ذلك.
ويجب علينا أن نتعرَّف على حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى أوجب على المؤمنين أي يُحبّوا النبي صلى الله عليه وسلم فوق محبة الآباء والأبناء والأزواج والعشيرة ، والتجارة والأموال ، وأوعد من تخلَّف عن تحقيق ذلك بالعقاب ، فقال سبحانه : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
ولا ريب أن أسباب المحبة ترجع إلى أنواع الجمال والكمال والنوال، كما قرَّره الإمام أبي حامد الغزالي، وغيره.
فإذا كان الرجل يُحبُّ لكرمه، أو لشجاعته ، أو لحلمه، أو لعلمه ، أو لتواضعه ، أو لتعَبُّده وتقواه ، أو لزهده وورعه ، أو لكمال عقله ، أو وفور فهمه ، أو جمال أدبه، أو حُسْن خُلُقه ، أو جمال صورته، أو فصاحة لسانه ، أو كثرة بِرِّه وخيره ، أو لشفقته ورحمته ، أو نحو ذلك من صفات الكمال . . فكيف إذا تَأَصَّلَّت واجتمعت هذه الصفات ، في رجلٍ واحد، وتحقّقت فيه أوصاف الكمال ومحاسن الجمال على أكمل وجوهها ، ألا وهو النبي الأعظم والسيد الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو مجمع صفات الكمال ومحاسن الخصال ، قد أبدع الله تعالى صورته العظيمة ، وهيئته الكريمة ، وطوى فيه أنواع الحُسْن والبهاء ، بحیث يقول کل من وصفه : لم يُرَ قبله ولا بعده مثله .
ولذلك كان من الواجب على كل مسلم أن يتعرَّف إلى جمال هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومحاسنه الخَلْقية ، وعظيم خُلُقه، وكمالاته النفسية والروحية ، والقلبية والعقلية والعلمية ، وذلك لينال مقام محبته الصادقة ، لأن المعرفة هي سبب المحبة ، فكلما زادت المعرفة بمحاسن المحبوب ، زادت المحبة له .
إن اطلاع الإنسان على أوصافه صلى الله عليه وسلم العظيمة وشمائله الكريمة ، لَيُعطي صورة علمية تنطبع في القلب ، وترتسم في المخيلة ـ كأنه قد رأی محبوبه صلى الله عليه وسلم ـ
ويجب علينا أن نتعرَّف على حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، لأن في ذكر شمائله صلى الله عليه وسلم وسماع أوصافه ونعوته ، تحيا قلوب المحبين ، وتطرب أرواحهم وعقولهم، ويزداد حبهم ، ويتحرك اشتياقهم.
وهكذا، فإنَّ الحديث عن المولد النبوي الشريف ليس حديثاً عن يومٍ عابرٍ في صفحات التاريخ، ولا عن ذكرى نُحييها بالكلمات ثم نمضي، وإنما هو حديثٌ عن أعظم إنسانٍ عرفته البشرية، وعن رسولٍ خصه الله تعالى بأن جعله رحمةً للعالمين، فكان في سيرته نورُ الهداية، وفي أخلاقه كمالُ الإنسانية، وفي أقواله وأفعاله منهجُ حياة.
وإنَّ أصدقَ احتفاءٍ بمولده صلى الله عليه وسلم أن نتعرَّف إليه حقَّ المعرفة؛ أن نقرأ سيرته، ونتأمل رحمته، ونتعلَّم من تواضعه، ونقتدي بصدقه وأمانته وعفوه وحلمه، وأن نجعل محبته حاضرةً في سلوكنا وأخلاقنا ومعاملاتنا.
وفي ذكرى مولده الشريف صلى الله عليه وسلم ، نحن أحوج ما نكون إلى أن نستعيد صورته المشرقة في وجداننا، وأن نُعرِّف أبناءنا وبناتنا وشبابنا بسيرته العطرة، لا بوصفها سيرةً تاريخية فحسب، بل بوصفها رسالةً حيّةً قادرةً على أن تهدي القلوب، وتُهذِّب النفوس، وتبني الإنسان.
وستظل سيرته صلى الله عليه وسلم نبعاً لا ينضُبُ، كلما أقبلنا عليه ازددنا معرفةً، وكلما عرفناه ازددنا حبّاً، وكلما أحببناه ازددنا اتباعاً، حتى تكون حياتنا شاهداً على صدق محبتنا لخير من وطئ الثرى، حبيبنا وقرَّة أعيننا ونبيِّنا وعظيمنا سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، فلا تكون محبتُنا له مجردَ كلماتٍ تلهج بها الألسن، بل سلوكاً نقتدي فيه بهديه، وأخلاقاً نتأسّى فيها بسنته، وطاعةً لله تعالى، وحرصاً على نشر رحمته وتعاليمه بين الناس.










