إن الغاية القصوى لأي نظام اقتصادي هي بلوغ الرفاهية للمواطنين وإشباع الحاجات الأساسية بما يليق بكرامة الإنسان لا بما يهينها فإذا اختل الميزان سقطت الأوطان وانهارت الأجيال.
إن سياسات الإصلاح الاقتصادي حين تنسحب فيها الدولة من ميادين التعليم والصحة وتتخلى عن دورها الاجتماعي فإنها لا تُصلح بل تُفسد ولا تبني بل تهدم.
إنها تُنقص القدرة على الإنتاج وتُوهن العزيمة على العمل فتُصاب التركيبة الاجتماعية بالتصدع ويُصاب النمو الاقتصادي بالتعثر.
فالسوق قد ينجح في دفع عجلة النمو ولكنه يعجز عن تحقيق عدالة التوزيع وعن قسمة عادلة لعوائد الخير.
كما إن ارتفاع الأسعار ليس مجرد رقم فى جداول بل هو تهديد للأمن وزلزال للاستقرار وربما كان أشد خطراً من الإرهاب، لأنه يلد الفقر والفقر لا يُواجه بالشعارات ولا تُسكته الوعود الزائفة.
لقد اتسعت دائرة الفقراء وانضمت إليهم شريحة واسعة من محدودي الدخل بينما تضخمت طبقة الأغنياء الذين اتخذوا من الأزمة تجارة ومن الاحتكار لعبة ومن السوق السوداء مغنماً.
إن جشع التجار ليس المتهم الأوحد بل هو عرض لمرض أعمق ألا وهو اختلال الميزان التجاري فصادراتنا محدودة ووارداتنا ضخمة ونحن نستورد تسعين في المئة من محاصيلنا الاستراتيجية.
وفي العهود الغابرة أُهدرت المليارات على مشاريع غير منتجة وغير مدروسة فتضاعفت الديون وأُهمل بناء المدارس فتسربت العقول وانضم الشباب إلى طابور البطالة والعطالة.
ومع انخفاض الأجور وتفشي البطالة واستشراء الفساد في أجهزة الدولة أصبح الفقر جريمة ضد الإنسانية،
كم من بيت لا يجد قوت يومه وكم من رب أسرة لا يوازن بين دخله ونفقاته، وحين يجوع الإنسان يضيق صدره وتختل موازينه فتكثر حالات الطلاق والسرقة والقتل وتصل إلى قتل الآباء لأبنائهم خشية الإملاق.
وهذا دليل على ضعف الوازع الديني وانهيار القيم تحت مطرقة التضخم وسندان الغلاء.
وهنا العدالة المفقودة لأن الدعم لا يصل إلى مستحقيه وإن الناتج القومي لا يُوزع بالعدل.
ففي غياب العدالة الاجتماعية يحصل عشرون في المئة على ما يفوق الخيال بينما لا يجد الثمانون في المئة حد الكفاف، وهنا تحدث العشوائية وتتسع الهوة ويُقتل الأمل.
ومع ذلك فإن مصر تمتلك اقتصاداً واعداً وموارد وطاقات تؤهلها للمنافسة مع الكبار، ولكن إصلاح ما تراكم من اختلالات لا يحتاج إلى الوقت وحده بل يحتاج إلى تضافر الجهود وتحمل الأعباء عدا الطبقات الفقيرة، يحتاج إلى برنامج متوازن متدرج يحظى بثقة المواطن والمؤسسات ويقوم على تحريك النشاط الاقتصادي وتحقيق الاستقرار المالي والتنمية البشرية والرعاية الاجتماعية.
فالفقر مرض فتاك.. يقتل العقل ويقتل الروح ويقتل أغلى ما في الإنسان، يقتل عقل الطفل.. أي عقل رجل المستقبل وامرأة المستقبل، وبهذا يقتل الأجيال القادمة قبل أن تولد.
وصدق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ قال: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”
فقد جرّمه وحكم عليه بأشد الأحكام لأنه عرف أنه عدو الوطن وعدو الإنسان.









