“
من نعمة الماء إلى أمانة الوطن :
مقدمة بلاغية مؤثرة : قناة السويس ليست مجرد ممر مائي ، بل
قصة مصرية تجمع بين الماء والعمران ، والسيادة والجهاد ، والتجارة ، وحفظ النعمة •
- منذ أن أجرى الله تعالى الأنهار والبحار ، وجعل الماء أصل الحياة .
ارتبط عمران الإنسان بالماء ارتباطا لا ينفصم ؛ قال تعالى : ” “وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ” سورة الأنبياء :٣٠ - ومصر بلد علمته الجغرافيا أن يكون للماء فيه معنى يتجاوز
الشرب والري ؛ فالنيل حياة ، والبحر بوابة ، والأرض التي تتوسط العالم جعلت مصر جسرا بين الشرق والغرب • - ومن هنا جاءت قصة قناة السويس : مشروع حفر في أرض مصر ، وسقي بعرق المصريين ، ثم. أصبح شريانا من أهم شرايين الملاحة العالمية •
- ومن المنظور الديني ، فإن النظر إلى قناة السويس لا ينبغي أن يقف عند الأرقام والسفن والأرباح ؛ وإنما يمتد إلى معنى أعمق ؛ كيف نتعامل مع النعم! التي سخرها الله تعالى لنا ؟ وكيف نحفظ ما أقيم بسواعد الآباء ليبقى أمانة في أيدي الأبناء ؟
أولا : هل قناة السويس حفرت مرة واحدة ؟
هنا ينبغي التفريق بين أمرين :
١ – القنوات القديمة :
- تذكر هيئة قناة السويس أن فكرة الربط المائي بين البحرين
الأبيض والأحمر ترجع إلى عصور مصرية قديمة ، وتنسب إلى سنوسرت الثالث من الأسرة الثانية عشرة أقدم فكرة معروفة لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط بصورة غير مباشرة عبر النيل وفروعه والبحيرات • - ثم عرفت محاولات ومشروعات أخرى في عصور لاحقة ، ومن أشهر من ارتبط اسمه بإعادة شق القناة القديمة ” دارا الأول ” الفارسي ، كما جرت أعمال في العهد البطلمي • إذا فالفكرة قديمة جدا ، ولكنها لم تكن قناة السويس الحديثة المعروفة اليوم •
٢ – أما قناة السويس بصورتها الحديثة ، فبدأت أعمال حفرها في ٢٥ إبريل ١٨٥٩م ، وانتهى اتصال البحرين في ١٨ أغسطس
١٨٨٩م ثم افتتحت رسميا للملاحة في ١٧ من نوفمبر ١٨٦٩م في عهد الخديو إسماعيل • وقد استغرق الحفر نحو عشر سنوات ، واستخرج خلاله نحو ٧٤ مليون متر مكعب من الأتربة •
ثانيا : من الذي أشار بحفرها ؟
- إذا كان السؤال عن الفكرة القديمة ، فالمصادر التاريخية تشير إلى الفرعون سنوسرت الثالث بوصفه من أوائل من فكروا في
إنشاء اتصال مائي بين البحر الأحمر والمتوسط وإن كان الاتصال آنذاك عبر النيل وفروعه والبحيرات ، لا على الصورة الحالية • - أما قناة السويس الحديثة ، فقد ارتبط مشروعها في! القرن التاسع عشر بالفرنسي فرديناند ديليسبس ، الذي حصل على الامتياز من سعيد باشا عام ١٨٥٤م ، ثم تأسست شركة قناة السويس العالمية عام ١٨٥٨م وبدأ الحفر عام ١٨٥٩م •
- وهنا ينبغي أن نقول لأبنائنا بوضوح : ديليسبس لم يخترع فكرة الاتصال بين البحرين من الصفر ؛ فالفكرة أقدم من عصره بآلاف السنين ، لكنه كان صاحب الدور التنفيذي والسياسي في مشروع قناة السويس الحديثة •
ثالثا : من الذي حفر قناة السويس ؟
- هنا تظهر صفحة شديدة الأهمية من تاريخ مصر •
لقد قام بالحفر العمال المصريون في الأساس ، تحت إدارة شركة قناة السويس ، وفي ظروف شاقة للغاية ، وتذكر هيئة قناة السويس أن نحو ٢٠ ألف مصري شاركوا في بداية أعمال الحفر في ٢٥ إبريل ١٨٥٩م •
وبذلك فإن العبارة التي ينبغي أن تبقى في ذاكرة الأجيال هي
ديليسبس خطط وأشرف ، والشركة تولت المشروع ، ولكن المصري حمل الفاس ، وحمل التراب ، ودفع من عرقه ثمنا عظيما حتى خرجت القناة إلى النور •
رابعا : في عهد من حفرت قناة السويس ؟
الحدث الحاكم / العهد المرحلة
منح الامتياز الأول – سعيد باشا – ١٨٥٤ م
بداية الحفر – سعيد باشا – ١٨٥٩ م
استكمال المشروع- الخديوي إسماعيل – ١٨٦٣م – ١٨٦٩ م
اتصال البحرين – الخديوي إسماعيل – ١٨ أغسطس ١٨٦٩م
افتتاح القناة رسميا – الخديوي إسماعيل – ١٧ نوفمبر ١٨٦٩م
تأميم شركة قناة السويس – جمال عبد الناصر – ٢٦ يوليو ١٩٥٦م
إغلاق القناة بسبب الحرب – عهد جمال عبد الناصر – ١٩٦٧م
إعادة افتتاح القناة – أنور السادات – يونيو ١٩٧٥م
- وتؤكد هيئة قناة السويس أن افتتاح القناة في كان في ١٧ نوفمبر ١٨٦٩ م وأن تأميمها وقع في ٢٦ يوليو ١٩٥٦م
خامسا : متى توقفت قناة السويس ؟
- هذه نقطة مهمة جدا ؛ لأنها توقفت في التاريخ الحديث أكثر من مرة ، لكن أطول وأهم إغلاق كان بعد حرب يونيو ١٩٦٧م •
الإغلاق الأول الكبير : العدوان الثلاثي من ” إنجلترا وفرنسا وإسرائيل عام ١٩٥٦م
- بعد إعلان الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في يوليو ١٩٥٦م ، وقع العدوان الثلاثي على مصر وبدأ في أكتوبر ١٩٥٦م ، وأدى إلى إغلاق القناة •
- ثم عادت للملاحة في ٢٩ مارس ١٩٥٧م بعد تطهير المجرى المائي من السفن الغارقة •
الإغلاق الثاني والأطول : حرب يونيو ١٩٦٧م وبعد حرب يونيو ١٩٦٧م توقفت الملاحة في القناة ، وظلت مغلقة نحو ثماني سنوات • ثم أعيد افتتاحها للملاحة الدولية في يونيو ١٩٧٥م
في عهد الرئيس أنور السادات ، بعد تطهيرها من مخلفات حرب اكتوبر وانتشال السفن الغارقة •
سادسا : ما الحروب التي مرت بها قناة السويس ؟
١ – العدوان الثلاثي ١٩٥٦م . بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هاجمت مصر بعد قرار التأميم ، وكانت القناة محورا رئيسيا في الأزمة •
٢- حرب يونيو ١٩٦٧م
كانت أخطر مراحل تاريخ القناة في العصر الحديث ؛ فقد أغلقت
القناة وظلت السفن متوقفة فيها ، وتحولت منطقة القناة إلى خط مواجهة عسكرية •
٣ – حرب الاستنزاف ١٩٦٧م – ١٩٧٠ م .
شهدت منطقة القناة معارك وقصفا متبادلا ، وتحملت مدن القناة والمواطنون أعباء هائلة .
٤ – حرب أكتوبر ١٩٧٣م .
كانت. القناة نفسها جزء من مسرح العمليات الكبرى ؛ فعبرتها القوات المسلحة المصرية إلى سيناء وكانت لحظة العبور من أعظم اللحظات العسكرية في التاريخ المصري الحديث •
وبعد الحرب بدأت أعمال التطهير والإعمار حتى عادت القناة إلى الملاحة عام ١٩٧٥م
سابعا : قناة السويس من المنظور الديني :
الإسلام لا. ينظر إلى الوطن والموارد العامة باعتبارها أشياء مباحة للإفساد أو الإهمال ، بل يجعل الإنسان أمينا ومسؤولا
قال تعالى : ” هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ” سورة هود : ٦١ . فالإنسان مستخلف في الأرض ومطالب بإعمارها لا بإفسادها • وقال سبحانه : ” ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها “
سورة الأعراف : ٥٦
ومن هنا يمكن أن نقول : ” قناة السويس نعمة اقتصادية وأمانة. وطنية ، ومنشأة حضارية ؛ وحفظها يدهل في حفظ المصالح العامة ومنع الفساد والإضرار بالناس • كماى أن الإسلام يحث
على إتقان العمل ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” إن
الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” رواه مسلم .
ثامنا : كيف نحافظ على قناة السويس ؟
- الحفظ علبها لا يكون بالقوة العسكرية وحدها ، وإنما بمنظومة متكاملة :
١ – حماية القناة أمنيا : بتأمين المجرى الملاحي والمنشآت والمواني والمناطق الاستراتيجية المحيظة به .
٢ – تطويرها علميا وتقنيا : فالقناة التي خدمت سفن. القرن التاسع عشر لابد أن تتطور باستمرار لتستوعب سفن القرن الحادي والعشرين .
٣ – حماية البيئة : منع التلوث النفطيوالمواد الخطرة ، والحفاظ على المياه والكائنات البحرية •
٤- الاستثمار في. الإنسان : فأعظم ما يحمي القناة هو العقل المصري المتخصص المهندس والبحار ، والمرشد والباحث والعامل •
٥ – الحفاظ على الأمن الاقتصادي : لأن القناة مورد استراتيجى لمصر ومن ثم ينبغي تنمية الخدمات والصناعات والمواني والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها •
٦ – تعليم الأجيال تاريخ وطنهم : فالأمة التي لا تعرف قيمة ما ورثته قد تضيع ما. ورثت •
٧ – ترسيخ قيمة الأمانة : فالمرافق العامة ليست ملكا لفرد ، وإنما مصالح ينتفع بها المجتمع كله ، وحمايتها مسؤولية مشتركة .
الخاتمة البلاغية المؤثرة جدا : قناة السويس ليست مجرى مائي
حفر بين بحرين فحسب ؛ إنها سطر من كتاب مصر الكبير ، كتبته أيدي المصريين بالعرق ، وحفظته الأجيال بالدم ، وأثبت التاريخ أنه كلما حاولت الحروب أن تغلقه ، أعادت مصر فتحه .
- لقد مرت القناة بمراحل من المجد والألم ؛ حفرت وافتتحت ، وتأممت ، وأغلقت ، وحوصرت ، ثم عادت إلى الحياة •
وكأن تاريخها يقول لنا : قد. يغلق الإنسانى مجرى الماء ، لكنه لا يستطيع أن يغلق إرادة أمة • وقد تغرق الحروب السفن ، لكنها لا تستطيع أن تغرق وطنا يعرف قيمة أرضه ومائه وتاريخه •
ومن المنظور الديني ، فإن أعظم ما نتعلمه من. قناة السويس أن
النعم لا تحفظ بالتمني ، وإنما بالشكر والعمل والأمانة ؛ قال تعالى : ” لئن شكرتم لأزيدنكم ” سورة إبراهيم : ٧
فشكر قناة السويس ليس أن نتحدث عنها فقط ، وإنما أن نحميها ونطورها ونحافظ على نظافتها ، ونصون أمنها ، ونحسن استثمارها ، ونعلم أبناءنا أن وراء هذا الممر المائي تاريخا طويلا من الكفاح المصري •
- إن قناة السويس أمانة في أعناق المصريين ؛ فمن حفظ الأمانةحفظ الله له النعمة ، ومن عرف قيمة وطنه عرف معنى
الشكر ، ومن جمع بين العلم والإيمان والعمل استطاع أن يصنع من الجغرافيا حضارة ، ومن الماء رسالة ، ومن التاريخ مستقبلا .
حفظ الله تعالى مصر وحفظ قناة السويس ، وحفظ أبناءها ، وجعلها دائما شريانا للخير والسلام ، والتجارة بين شعوب العالم .










