بعد ستة أشهر من القصف المتقطع لإيران، تخللتها محاولات عقيمة للتفاوض على صفقة كبرى مع النظام، يعود الرئيس دونالد ترامب إلى استراتيجية أكثر قابلية للدفاع عنها، وهي الاحتواء الاقتصادي؛ فبدلا من المقامرة بتحقيق اختراق عسكري، وهو أمر قد يتطلب على الأرجح نشر قوات أمريكية على الأرض داخل إيران، قررت إدارة ترامب تضييق الخناق على الإيرانيين من خلال عزلهم عن بقية العالم؛ ويوم الاثنين، كشف وزير الخزانة سكوت بيسنت عما وصفه بأنه “هجوم اقتصادي شامل”؛ وهدد بفرض عقوبات ثانوية على الأفراد والشركات والمؤسسات المالية الأجنبية التي تواصل التعامل مع طهران؛ طبقا لما ذكرته جريدة “واشنطن بوست” الأمريكية، وقال بيسنت إن فريقه قام بـ”رسم خريطة لكل عقدة، وكل جهة مسهلة، وكل شبكة” استُخدمت للالتفاف على العقوبات القائمة.
استراتيجية أمريكا لإحتواء إيران
وأشار سكوت بيسنت إلى أن مسؤولين في الحكومة الأمريكية يتواصلون مع قادة دول أجنبية ويقدمون إليهم «طلبات محددة» ومهلا زمنية للامتثال؛ وضرب مثالا بأكبر بنك في إيران، قائلا إنه يتعين إغلاق جميع فروعه الأجنبية؛ وقال بيسنت: “لقد بدأت الساعة الآن في العد”، متعهدا باتباع نهج يقوم على “منع أي تسرب”؛ لكن تنفيذ ذلك سيتطلب خوض مواجهة كبيرة مع الصين، أكبر مشتر للنفط الإيراني، وليس واضحا ما إذا كان ترامب يمتلك الرغبة في المضي في هذه المواجهة حتى نهايتها؛ فحتى الآن، تركزت العقوبات الأمريكية على المصافي المستقلة والوسطاء، بدلا من البنوك الصينية الكبرى أو الشركات المملوكة للدولة؛ ومن المقرر أن يزور الرئيس الصيني شي جين بينغ واشنطن الشهر المقبل للمشاركة في قمة؛ وإذا غادر العاصمة الأمريكية من دون تقديم التزام ذي مغزى بخفض مشتريات الصين من النفط الإيراني، فستبدو تهديدات بيسنت جوفاء.
ولكن حتى لو نجحت الإدارة في تقييد الصادرات الإيرانية بشدة، فعلى ترامب أن يكون واقعيا بشأن ما يمكن لهذه الاستراتيجية تحقيقه؛ فقد أدى الصراع إلى تعزيز نفوذ الحرس الثوري الإسلامي؛ ومن المستبعد للغاية أن يؤدي تصعيد الضغوط إلى إجبار المؤسسة العسكرية على الاستسلام؛ ولا يستطيع فريق ترامب مقاومة إضفاء لغة عسكرية على النهج الجديد؛ فقد مهد بيسنت لإعلان الاثنين بوصفه “يوم إنزال اقتصادي” (Economic D-Day)؛ لكن مصطلح «D-Day» يستحضر حملة عسكرية ذات هدف واضح وهو الاستسلام غير المشروط للعدو؛ أما الضغط الاقتصادي، فنادرا ما يعمل بهذه الطريقة؛ للعقوبات سجل ضعيف عندما يتعلق الأمر بتسريع تغيير الأنظمة.
كما أن التطبيق الشامل للعقوبات أمر يصعب تحقيقه، وإيران خبيرة في الالتفاف عليها، بعدما صقلت هذه المهارات على مدى عقود؛ والأسوأ من ذلك أن النخب الحاكمة تجيد إلى حد كبير نقل تكلفة العقوبات إلى المواطنين العاديين؛ وحتى الشعوب التي تعاني بؤسا شديدا نادرا ما تتمكن من الإطاحة بقيادات قاسية؛ ويكفي النظر إلى سلالة كيم الحاكمة في كوريا الشمالية؛ ولهذا السبب، فإن الاحتواء لا يتعلق في حقيقته بتغيير النظام؛ هدفه المباشر هو إضعاف إيران، التي تعرضت بالفعل لضربات قاسية، بحيث تصبح أقل قدرة على تهديد جيرانها وتطوير أسلحة نووية؛ ومع اشتداد الخناق، من المرجح أن يلجأ القادة الجدد في طهران إلى الرد عسكريا؛ وسيحتاج ترامب إلى الرد بقوة على مثل هذه الهجمات، من دون السماح لكل استفزاز بأن يجر الولايات المتحدة مجددا إلى حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة؛ فالاحتواء عملية مستمرة، وليس حالة نهائية؛ إنه ماراثون، لا سباق سرعة.
إيران تتجاهل التهديدات المالية
فعندما بدأ دونالد ترامب عملية «الغضب الملحمي” قبل نحو ستة أشهر، كان يأمل أن تسحق القوة العسكرية الأمريكية للنظام الإيراني؛ وعندما أخفقت القنابل، راهن على الحوافز؛ ففي يونيو، عرضت الولايات المتحدة على إيران تخفيف العقوبات واستثمارات بمليارات الدولارات، أملا في أن يفتح قادة البلاد مضيق هرمز ويتخلوا عن أي طموحات نووية؛ لكن هذا النهج أخفق هو الآخر؛ والآن تحاول الولايات المتحدة كسر النظام عبر سحق إيران اقتصاديا؛ وفي الأسبوع الماضي، وصف ترامب هذا الجهد بأنه “يوم إنزال اقتصادي”؛ وفي 24 أغسطس، كشف سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، عن التفاصيل؛ تخضع إيران لعقوبات أمريكية منذ الثورة الإسلامية عام 1979؛ وخلال ولايته الأولى، مارس ترامب ما سماه “الضغط الأقصى” على النظام في محاولة لإجباره على تقديم تنازلات بشأن برنامجه النووي؛ أما الآن، فقد أعلن بيسنت عن عملية “المنبوذ الاقتصادي”، واصفا إياها بأنها “هجوم اقتصادي شامل على الروابط المالية لإيران في أنحاء العالم”.
وهذا، على ما يبدو، هو “الضغط الأقصى” مضافا إليه المزيد؛ فإلى جانب فرض حصارها على صادرات النفط الإيرانية، ستزيد الولايات المتحدة الضغط على الشركاء التجاريين لإيران، وعلى المؤسسات التي تساعد النظام في تحريك الأموال؛ لكن التهديدات، في الوقت الراهن، أقرب إلى الضجيج منها إلى الفعل؛ إذ لا يتعين على الدول الامتثال للمطالب الأمريكية فورا؛ ومع ذلك، قد تؤدي هذه السياسة إلى إشعال صراع أوسع؛ تمر إيران بضائقة اقتصادية شديدة؛ فقد الريال نحو نصف قيمته أمام الدولار منذ بداية العام، وسجل أدنى مستوى له على الإطلاق قبيل إعلان بيسنت؛ ودمرت الحرب أجزاء كبيرة من الصناعة الإيرانية؛ كما أدى تضرر المصافي إلى نقص الوقود، ما تسبب في طوابير طويلة أمام محطات البنزين؛ ووفقا للإحصاءات الرسمية، بلغت البطالة 9.1%، وهي أعلى نسبة منذ عام 2023، فيما تشير التقديرات غير الرسمية إلى مستويات أعلى بكثير؛ أما التضخم فيبلغ 88% على أساس سنوي؛ ويقوم النظام بطباعة النقود لتمويل قسائم الغذاء.
الحصار الأمريكي والشركات الصينية
وفي الوقت نفسه، أدى الحصار الأمريكي لمضيق هرمز إلى انهيار صادرات النفط الإيرانية، وهي المصدر الرئيسي لدخل النظام؛ وفي 20 أغسطس، قال رئيس البنك المركزي الإيراني إنها “تراجعت إلى الصفر”؛ ووفقا لشركة “كبلر” المتخصصة في معلومات التجارة، لا تزال إيران تمتلك نحو 80 مليون برميل من النفط على متن سفن خارج المضيق؛ لكن هذه الكمية لن توفر سوى جزء محدود من الإيرادات التي كانت تحققها عادة من صادراتها النفطية؛ وتأمل إدارة ترامب أن تخلق المتاعب الاقتصادية الإيرانية فرصة أمامها؛ وقال بيسنت إنه يأمل أن يلقي الجنود أسلحتهم بمجرد توقفهم عن تلقي رواتبهم، بما يؤدي في النهاية إلى انهيار النظام؛ لم يسم بيسنت الدول التي يريد منها خفض تجارتها مع إيران، لكن هناك عدة دول تبرز بوضوح؛ فخلال الحرب، كانت الصين تشتري النفط الإيراني بخصم يتراوح بين 7 و12 دولارا للبرميل عن سعر السوق، في انتهاك للحظر الأمريكي القائم.
وتستحوذ الصين على نحو 90% من صادرات الخام الإيراني، التي تقدر الولايات المتحدة أنها وفرت للنظام ما يقرب من نصف ميزانيته العام الماضي؛ أما الإمارات العربية المتحدة فتبيع لإيران أكثر مما تبيعه أي دولة أخرى؛ وقد وفرت نحو 30% من إجمالي واردات إيران في عام 2024؛ كما تستضيف شبكة من مكاتب الصرافة والبنوك الموازية التي يستخدمها النظام للالتفاف على العقوبات؛ وفي أبريل، أفادت تقارير بأن وزارة الخزانة الأمريكية بعثت برسالة إلى قادة الإمارات تطلب منهم تشديد الإجراءات ضد مثل هذه المؤسسات؛ وليست الولايات المتحدة وحدها التي تحاول إلحاق الألم الاقتصادي بإيران؛ فخلال الأشهر القليلة الماضية، خففت الإمارات، التي تحملت العبء الأكبر من الهجمات الإيرانية في بداية الحرب، موقفها تجاه طهران، واستأنفت التجارة وسمحت للمقيمين الإيرانيين بالعودة؛ لكنها أعلنت في 18 أغسطس أنها ستوقف جميع التعاملات التجارية والمالية مع إيران بعدما شن النظام هجمات على سفنها؛ وأشاد بيسنت بالإمارات، واصفا إياها بأنها “شريك جيد للغاية”.
وإلى لقاء أخر باذن الله.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية










