لم تعد الهجرة في شمال إفريقيا قصة تبدأ عند الشاطئ وتنتهي عند البحر. الخريطة الجديدة أكثر تعقيدًا: حرب تدفع ملايين السودانيين إلى النزوح، وساحل إفريقي مضطرب يعيد توزيع البشر جنوب الصحراء، وليبيا تتحول إلى واحدة من أكبر نقاط التجمع والهجرة في المنطقة، فيما تجد تونس نفسها بين ضغط أوروبي لإدارة الحدود وموجات هجرة عابرة أو مستقرة، بالتوازي مع خروج متزايد للكفاءات التونسية نحو أوروبا.
وفي الجهة المقابلة من المتوسط، لم تعد أوروبا تتعامل مع الهجرة باعتبارها مجرد ملف أمني. إنها تبني منظومة أكثر تركيبًا: تشديد الحدود، مكافحة شبكات التهريب، تنظيم العودة، وفي الوقت نفسه فتح قنوات انتقائية لاستقدام العمال والمهارات التي تحتاجها أسواقها.
هنا يصبح السؤال أكبر من عدد القوارب التي تصل إلى أوروبا: هل نحن أمام إعادة تشكيل تدريجية للجغرافيا السكانية والأمنية لشمال إفريقيا؟
والأهم: هل يمكن الحديث عن «توطين» أو «استقرار» طويل الأمد لمجموعات مهاجرة في المنطقة، حتى في غياب وثيقة رسمية تحمل هذا الاسم؟ أم أن ما يبدو تغيرًا ديموغرافيًا ليس سوى نتيجة طبيعية لحروب إقليمية، وفقر، وعمل موسمي، وهجرة عابرة، وسياسات أوروبية لإدارة الحدود؟
للإجابة، لا يكفي البحث عن رقم واحد. المطلوب قراءة الخريطة كاملة.
ليبيا… عندما يصبح فضاء العبور مجتمعًا مهاجرًا كبيرًا
تكشف ليبيا بوضوح حجم التحول الذي تشهده المنطقة.
فوفق أحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين الموجودين في ليبيا 943,748 مهاجرًا خلال مارس وأبريل 2026، موزعين على 100 بلدية و641 مجتمعًا محليًا. وكانت غالبية المهاجرين متمركزة في المنطقة الغربية من البلاد.
وكانت المنظمة قد قدرت عدد المهاجرين في ليبيا خلال يناير وفبراير 2026 بـ 936,134 شخصًا، مقابل 939,638 في نهاية 2025، وهو ما يشير إلى حجم مستقر نسبيًا، لا إلى موجة عابرة قصيرة المدى فحسب.
لكن الرقم وحده لا يكشف طبيعة هذا الوجود.
فالمهاجرون في ليبيا ليسوا كتلة واحدة، ولا ينتمون جميعًا إلى إفريقيا جنوب الصحراء. ففي بيانات يناير وفبراير 2026، كان 56% من المهاجرين من شمال إفريقيا، و28% من غرب إفريقيا، و10% من وسط إفريقيا، فيما جاءت النسب المتبقية من آسيا والشرق الأوسط. أما الجنسيات الأربع الأكبر فكانت السودانية بنسبة 36%، والنيجرية 20%، والمصرية 19%، والتشادية 9%.
هذه المعطيات تقلب جزءًا من الصورة النمطية: ليبيا ليست فقط محطة إفريقية نحو أوروبا، بل هي أيضًا سوق عمل وفضاء إقامة وحركة إقليمية.
والحدود الليبية نفسها تكشف هذه الوظيفة. فبيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026 ترصد حركة دخول وخروج مرتبطة بدول الجوار، إلى جانب أنماط من الهجرة الدائرية؛ أي إن بعض الأشخاص لا يتحركون في اتجاه واحد نحو أوروبا، وإنما يتحركون داخل المنطقة بحثًا عن العمل والدخل والأمان.
وهنا تظهر أولى القضايا التي تستحق التحقيق: كم من هؤلاء المهاجرين يعبر ليبيا فقط، وكم منهم يستقر فيها لسنوات؟
فعدد الأشخاص الموجودين في لحظة معينة لا يساوي عدد الداخلين خلال السنة، كما أن وجود مهاجر في ليبيا لا يعني بالضرورة نيته الاستقرار. لكن بقاء الرقم قريبًا من المليون لفترات متتالية يفرض سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما تتحول دولة العبور إلى دولة إقامة أيضًا؟
السودان… الحرب التي أعادت توزيع السكان
إذا كانت ليبيا تكشف تحول شمال إفريقيا إلى فضاء استقبال وحركة، فإن السودان يوضح كيف يمكن للحرب نفسها أن تعيد رسم الخريطة السكانية للمنطقة.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل السودان واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن عدد النازحين داخليًا ارتفع من نحو 3.8 ملايين شخص في 2023 إلى 11.6 مليونًا في ذروة النزوح خلال 2025.
وبحلول 27 مارس 2026، ظل داخل السودان نحو 8.9 ملايين نازح داخليًا، بينهم 4.9 ملايين طفل دون سن 18 عامًا. كما امتد النزوح إلى جميع ولايات السودان الثماني عشرة، وإلى قرابة 12 ألف موقع في 185 محلية.
لكن الحرب لم تعِد توزيع السكان داخل السودان فقط. لقد دفعت ملايين الأشخاص إلى عبور الحدود نحو دول الجوار، خصوصًا مصر وتشاد وجنوب السودان، قبل أن تبدأ حركة عودة جزئية.
وتسجل المنظمة الدولية للهجرة كذلك 663,339 عودة من الخارج إلى السودان، كان أكثر من نصفها من مصر، فيما جاءت عودات أخرى من جنوب السودان وتشاد وليبيا ودول الخليج.
هذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن المنطقة لا تشهد «موجة هجرة» باتجاه واحد، بل نظامًا متحركًا من النزوح والهجرة والعودة وإعادة التوزيع السكاني.
والسودان في هذه المعادلة ليس مجرد بلد مصدر للمهاجرين. الحرب جعلته نقطة ضغط ديموغرافي وأمني تمتد آثارها إلى مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان، وبالتالي إلى المجال الأوسع لشمال إفريقيا والساحل.
الساحل… المنطقة التي تنتقل إليها الضغوط قبل أن تصل إلى المتوسط
بين السودان وشمال إفريقيا توجد منطقة لا يمكن تجاهلها: الساحل.
النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو وليبيا ليست مجرد نقاط على طريق الهجرة. إنها جزء من فضاء تتحرك داخله العمالة، والنازحون، والمهاجرون، وشبكات التهريب، والجماعات المسلحة، والسلع غير النظامية.
وهذا يعني أن الأمن الديموغرافي لشمال إفريقيا لا يبدأ عند حدودها الجنوبية.
عندما تتدهور الأوضاع الأمنية أو الاقتصادية في الساحل، لا تنتقل التداعيات بالضرورة في صورة «هجرة إلى أوروبا». قد تكون النتيجة أولًا حركة داخلية بين دول إفريقيا، ثم انتقالًا نحو ليبيا أو الجزائر أو تونس، أو بقاءً لسنوات في إحدى دول المنطقة.
ولهذا فإن اختزال الهجرة الإفريقية في «طريق إلى أوروبا» يحجب جزءًا كبيرًا من الحقيقة. الهجرة الإفريقية نفسها ذات طابع إقليمي قوي، كما أن جزءًا مهمًا منها يحدث داخل القارة.
وهنا تصبح شمال إفريقيا منطقة ضغط وسيطة: تستقبل تدفقات من الجنوب، بينما تتعرض في الوقت نفسه لضغط أوروبي من الشمال.
تونس… الرقم الذي لا يقول كل شيء
في تونس، تفرض الأرقام الرسمية الحذر.
فالتعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 يقدر عدد سكان البلاد بـ 11,972,169 نسمة، بينما بلغ عدد الأجانب 66,349 شخصًا، أي 0.55% من إجمالي السكان. وكانت النسبة 0.49% سنة 2014، عندما بلغ عدد الأجانب 53,490 شخصًا.
لكن هناك تفصيلًا جوهريًا: هذا الرقم لا يعني عدد الأفارقة جنوب الصحراء في تونس.
إنه عدد الأجانب بمختلف جنسياتهم.
وهذا التمييز ليس مسألة تقنية هامشية، بل شرط أساسي لأي نقاش جدي حول التغير الديموغرافي في تونس.
فلا يمكن استخدام رقم 66,349 لإثبات وجود «مئات الآلاف من الأفارقة جنوب الصحراء» في البلاد، كما لا يمكن استخدام الرقم نفسه لنفي وجود تغيرات محلية أو جغرافية أو اجتماعية مرتبطة بالهجرة.
المشكلة الحقيقية تكمن في البيانات التي لا تزال تحتاج إلى قراءة أكثر تفصيلًا: جنسيات الأجانب، نوع الإقامة، مدة الإقامة، العمل، التوزيع الجغرافي، الزواج، الولادات، الأطفال الموجودون في المؤسسات التعليمية، وحجم العودة إلى بلدان الأصل.
هذه هي المؤشرات التي يمكن أن تجيب عن سؤال الاستقرار.
فالفرق كبير بين مهاجر يدخل تونس ثم يغادرها، ومهاجر يقيم سنوات، ويحصل على عمل، ويؤسس أسرة، وينجب أطفالًا، ويدخل أبناءه المدرسة، ويصبح جزءًا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي المحلي.
من «الهجرة» إلى «الاستقرار»… أين يبدأ التغيير الديموغرافي؟
هنا تحديدًا يجب إعادة تعريف المصطلحات.
الهجرة ليست استيطانًا.
ووجود مهاجرين في بلد ما لا يثبت تلقائيًا وجود مشروع لتغيير تركيبته السكانية.
لكن العكس صحيح أيضًا: غياب وثيقة رسمية تحمل عنوان «استيطان» لا يعني أن ظاهرة الاستقرار طويلة الأمد لا يمكن أن تحدث.
لذلك فإن التحقيق الصحفي الجاد لا يبدأ من النتيجة، بل من المؤشرات.
إذا أردنا اختبار فرضية «توطين مهاجرين أفارقة في شمال إفريقيا»، فعلينا أن نسأل:
كم عدد الذين يقيمون لأكثر من خمس سنوات؟
كم منهم يملكون إقامات طويلة المدى؟
كم منهم يحمل تصاريح عمل؟
كم عدد الزيجات المختلطة؟
كم عدد الأطفال المولودين في البلد المضيف؟
كم عدد الأطفال الموجودين في المدارس؟
هل تتشكل تجمعات سكنية مستقرة؟
ما نسبة من يدخلون مقارنة بمن يغادرون؟
كم عدد طلبات العودة الطوعية؟
وهل ترتفع أعداد المقيمين الدائمين بصورة متواصلة عبر سنوات متتالية؟
هذه المؤشرات أهم بكثير من الصور المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي.
وحتى الآن، لا تظهر في المصادر الرسمية التي تم فحصها وثيقة تثبت وجود برنامج تونسي أو أوروبي معلن هدفه «استيطان الأفارقة» أو «استبدال السكان» في تونس.
لكن هذه النتيجة لا تغلق التحقيق.
بل تنقله إلى مستوى أكثر دقة: هل تنتج مجموعة السياسات والظروف الاقتصادية والأمنية ومسارات الإقامة والعمل والحماية والإدماج استقرارًا طويل الأمد، حتى من دون وجود خطة مركزية تحمل اسمًا واحدًا؟
هذا سؤال قابل للقياس.
وفي الاتجاه المعاكس… تونس تفقد جزءًا من رأس مالها البشري
بينما تبحث أوروبا عن إدارة تدفقات المهاجرين إلى أراضيها، تواجه تونس ظاهرة مختلفة في الاتجاه المعاكس: خروج الكفاءات.
وتشير دراسة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حول المهاجرين التونسيين في دول المنظمة إلى أن عدد التونسيين ذوي التعليم العالي المقيمين في دول OECD ارتفع من نحو 71 ألفًا في 2000/2001 إلى 143 ألفًا في 2015/2016.
وفي الفترة نفسها ارتفعت نسبتهم من 16% إلى 24% من إجمالي المهاجرين التونسيين في دول المنظمة.
وفي قطاع الصحة تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فقد أظهرت بيانات OECD الأولية أن نحو 4,000 طبيب تونسي كانوا يمارسون في دول المنظمة في 2015/2016، بما يعادل معدل هجرة يقارب 22% لهذه المهنة، إلى جانب قرابة 2,000 ممرض.
هذه أرقام قديمة نسبيًا، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها إحصاءً لسنة 2026.
لكن قيمتها تكمن في كشف الاتجاه: الهجرة التونسية لم تعد فقط هجرة يد عاملة، بل أصبحت أيضًا هجرة مهارات وكفاءات.
وهنا تظهر مفارقة شمال إفريقيا:
من الجنوب تتحرك قوى بشرية بحثًا عن العمل والأمان؛ ومن شمال إفريقيا تتحرك الكفاءات نحو أوروبا؛ وفي أوروبا نفسها تتشكل سياسة انتقائية تحاول ضبط النوعين معًا.
أوروبا… من منع الهجرة إلى إدارتها
السياسة الأوروبية تجاه تونس تكشف هذا التحول.
ففي 16 يوليو 2023 وقعت تونس والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم حول «شراكة استراتيجية وشاملة» تقوم على خمسة محاور، من بينها الهجرة والتنقل.
وفي ملف الهجرة، أعلنت المفوضية الأوروبية عن حزمة دعم بقيمة 105 ملايين يورو مرتبطة بالتعاون مع تونس. وتشمل الحزمة دعم إدارة الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، والبحث والإنقاذ، وحماية المهاجرين، والعودة وإعادة الإدماج.
وبحلول نهاية أغسطس 2024، كان قد تم التعاقد على 53 مليون يورو من أصل 105 ملايين يورو المخصصة لبرامج الهجرة في إطار ميزانية 2023.
وهنا يجب التوقف عند نقطة شديدة الأهمية:
هذه الأموال لا تثبت وجود برنامج لتوطين المهاجرين في تونس.
فالوثائق الأوروبية المنشورة تصف جزءًا أساسيًا منها بأنه مخصص لمنع المغادرة غير النظامية، وتعزيز إدارة الحدود، ومكافحة التهريب، والبحث والإنقاذ، وحماية المهاجرين، والعودة وإعادة الإدماج.
لكن السياسة الأوروبية لا تتجه فقط نحو المنع.
ففي الوقت نفسه، تطور بروكسل «شراكات المواهب» مع دول من بينها تونس.
وبحسب المفوضية الأوروبية، أطلقت شراكة المواهب بين الاتحاد الأوروبي وتونس سنة 2023، وتم اعتماد خارطة الطريق الخاصة بها في يونيو 2025. وتشمل القطاعات ذات الاهتمام المشترك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والسياحة، والنقل واللوجستيات، والبناء، والزراعة، والصناعة، خصوصًا الكهربائية والمعدنية.
وهنا تتضح ملامح السياسة الجديدة:
الهجرة غير النظامية تُحاصر، الهجرة النظامية تُنظم، والمهارات المطلوبة تُستقطب.
أي أن أوروبا لا تتعامل مع الهجرة باعتبارها ظاهرة يجب إيقافها بالكامل، بل باعتبارها تدفقًا ينبغي فرزه وإدارته وفق حاجات سوق العمل والديموغرافيا والأمن.
وهذا التحول له أثر مباشر على دول شمال إفريقيا.
«الجندرة الأمنية»… عندما لا يكون المهاجر مجرد رقم
ثمة عنصر غالبًا ما يغيب عن الخرائط الأمنية التقليدية: الجنس.
فالمرأة المهاجرة لا تعيش المسار نفسه الذي يعيشه الرجل بالضرورة.
وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء والفتيات يشكلن نحو نصف المهاجرين الدوليين، وأن تجربة الهجرة تتأثر بالنوع الاجتماعي في كل مراحلها، من أسباب الرحيل إلى طرق العبور والعمل والاستقرار والاندماج. كما تواجه النساء المهاجرات مخاطر خاصة تشمل الاتجار والاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتزداد المخاطر بالنسبة إلى من يتحركن في أوضاع غير نظامية.
لذلك فإن إدخال «الجندرة» في دراسة الأمن والهجرة ليس إضافة اجتماعية إلى ملف أمني، بل جزء من فهم الأمن نفسه.
فإذا كانت الخريطة الديموغرافية تريد معرفة ما إذا كان السكان العابرون يتحولون إلى أسر مستقرة، فإن توزيع المهاجرين حسب الجنس والعمر والحالة العائلية يصبح أساسيًا.
ارتفاع نسبة الرجال في حركة عمالية مؤقتة يعطي مؤشرًا مختلفًا عن وجود نساء وأطفال وأسر كاملة.
والفرق بين الاثنين قد يكون مفتاحًا لفهم ما إذا كنا أمام هجرة عمل مؤقتة، أم استقرار اجتماعي طويل الأمد.
لهذا يمكن الحديث عن «الجندرة الأمنية» باعتبارها عدسة تحليلية: من يتحرك؟ لماذا؟ كيف؟ أين يعمل؟ من يرافقه؟ ومن يبقى بعد سنوات؟
الفجوة الأخطر ليست في الأرقام… بل في غياب بعضها
المشكلة التي تواجه أي باحث في التحولات السكانية لشمال إفريقيا ليست انعدام البيانات بالكامل، وإنما عدم تجميعها في صورة واحدة.
لدينا أرقام عن المهاجرين في ليبيا.
ولدينا أرقام عن النزوح في السودان.
ولدينا تعداد رسمي للسكان والأجانب في تونس.
ولدينا بيانات أوروبية عن التمويل والعودة وحماية الحدود.
ولدينا بيانات عن شراكات المواهب والهجرة النظامية.
ولدينا أرقام عن هجرة الكفاءات التونسية.
لكن ما ينقص هو المؤشر الذي يربط كل ذلك:
كم شخصًا دخل؟ كم بقي؟ كم عاد؟ كم استقر؟ كم تزوج؟ كم أنجب؟ كم طفلًا يدرس؟ وما الذي تغير في توزيع السكان عبر عشر سنوات؟
من دون هذه السلسلة لا يمكن إثبات «استيطان».
لكن من دونها أيضًا لا يمكن نفي احتمال حدوث استقرار ديموغرافي تدريجي.
وهنا تكمن أهمية التحقيق.
شمال إفريقيا أمام خريطة أمنية جديدة
الخريطة التي تتشكل اليوم ليست مجرد خريطة هجرة.
إنها تقاطع بين أربعة أنواع من الحركة البشرية:
النازح الذي يهرب من الحرب.
المهاجر الذي يبحث عن العمل.
المهارة التي تنتقل إلى سوق أكثر جاذبية.
والعائلة التي قد تتحول من عابرة إلى مستقرة.
السودان يدفع ملايين الأشخاص إلى الحركة.
الساحل يضيف ضغطًا اقتصاديًا وأمنيًا.
ليبيا تستقبل مئات الآلاف من المهاجرين وتؤدي دورًا مركزيًا في شبكات الحركة الإقليمية والمتوسطية.
تونس تقع بين المجالين، وتتعرض في الوقت نفسه لضغط أوروبي متزايد لإدارة الحدود، بينما تفقد جزءًا من كفاءاتها باتجاه الخارج.
أما أوروبا، فهي تعيد بناء سياستها على قاعدة مزدوجة: حدود أكثر صرامة، ومسارات أكثر انتقائية للهجرة النظامية والعمل.
في هذه المعادلة، يصبح الأمن الديموغرافي جزءًا من الأمن القومي.
ليس لأن المهاجر تهديد في حد ذاته، بل لأن حجم التدفقات، ومدد الإقامة، وتركيبة السكان، ومواقع الاستقرار، وسوق العمل، والتعليم، والصحة، والعودة، كلها قضايا تعيد تشكيل قدرة الدولة على إدارة المجال السكاني والاجتماعي.
الخلاصة… هل تغيرت الخريطة من دون أن تتحرك الحدود؟
قد لا تكون هناك وثيقة واحدة تقول إن شمال إفريقيا يجب أن يستقبل كتلة سكانية جديدة.
وقد لا يكون هناك مشروع رسمي اسمه «استيطان الأفارقة».
لكن السياسة الدولية لا تُقاس دائمًا بعنوان واحد.
أحيانًا تتشكل النتائج من تراكم سياسات مختلفة: حرب تدفع السكان إلى النزوح، وحدود تمنع الحركة، وأسواق عمل تستقبل المهاجرين، وبرامج عودة، ومسارات إقامة، وشراكات للمواهب، واحتياجات ديموغرافية أوروبية، وفقدان مستمر للكفاءات في بلدان الجنوب.
لهذا فإن السؤال الصحفي الحقيقي ليس:
«هل توجد مؤامرة لتغيير سكان شمال إفريقيا؟»
بل:
«ما الذي تقوله البيانات عن الاتجاه الفعلي لتحولات السكان؟»
وإذا كانت الهجرة من إفريقيا إلى شمالها تتحول، في بعض المواقع، من حركة عبور إلى إقامة أطول؛ وإذا كانت الحروب تعيد توزيع الملايين؛ وإذا كانت أوروبا تنتقي من تحتاجهم من المهارات؛ وإذا كانت دول مثل تونس تفقد أطباءها ومهندسيها وكفاءاتها؛ فإننا أمام تغير لا يمكن اختزاله في ملف الهجرة وحده.
إنه تغير في الجغرافيا الأمنية والديموغرافية للمنطقة.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام الحكومات ومراكز الإحصاء والباحثين والصحافة هو:
هل نحن أمام حركة بشرية مؤقتة ستنحسر عندما تستقر الأوضاع في دول المصدر، أم أمام إعادة توزيع سكانية طويلة المدى بدأت ملامحها تظهر قبل أن تمتلك دول المنطقة حتى الأدوات الكاملة لقياسها؟
ربما تكون الحدود ثابتة على الخرائط.
لكن السكان يتحركون.
وفي عالم تتحرك فيه الشعوب أسرع من الإحصاءات، قد تتغير الخريطة قبل أن تتحرك الحدود.
تونس









