مدبولي عتمان ‏يكتب.. مهرجانات العزاء‏


ذهبت في ختام مناسبة عزاء لأواسي ابن المتوفي ، ولاحظت عليه ‏علامات الحزن والهم الزائد . فقلت لمرافقي الشاب يبدو أنه خائف من ‏المسئولية التي تركها له أبيه خاصة وأنه الإبن الأكبر . فرد مرافقي ‏ليست المسئولية وحدها سبب همومه ولكنها ديون تكلفة العزاء من ‏سرادق ومقرئين ومشروبات والتي تجاوزت 30 الف جنيه ، وهي تكلفة ‏كبيرة مقارنة بحال معيشة أهالي قريتهم . سنحت فرصة للتحدث معه ‏على انفراد وبادرته :” ليه كلفت نفسك طالما ليس معك .. كان من ‏الافضل ان يكون العزاء في دار مناسبات وتوفر على نفسك الديون “. ‏فرد الشاب بنبرة يختلط فيها الحزن مع الهم مع الحسرة قائلا :” مضطر ‏والله يا استاذ .. أبويا مش اقل من ابو فلان وابو فلان .. لو معملتش كدى ‏الناس حتاكل وشي .. ويقولوا اني قصرت في حق ابويا “.‏

تأكدت أن حب المظاهر وراء ظاهرة ” مهرجانات العزاء ” ، وهي ‏ظاهرة غير محموده بدأت للأسف تنتشر في مجتمعنا مؤخرا، وتنافس ‏فيها الفقراء مع الأغنياء مدفوعين بمقولة ” محدش أحسن من حد “. ‏والقول الاخر ” احنا مش أقل من فلان او علان “!!. الغريب أن هذه ‏التكلفة العالية لمهرجانات العزاء تتضمن الاتفاق مع صور فيديو يدور ‏بين المعزين للتسجيل المهرجان بالصوت والصورة مع التركيز على ‏أعيان القوم من باب التفاخر . وشاهدت بنفسي مرات كثيرة احد أقارب ‏المتوفي يهمس في أذن المصور أن يركز على جانب معين من السرادق ‏يجلس فيه مسئولين أو نواب أو الأثرياء أو الأعيان . ‏

وقال أحد أصحاب محال الفراشة أن تكلفة سرادقات العزاء تبدأ من 10 ‏الاف جنيه وتتدرج حتى تصل إلى 150 ألف جنيه وذلك حسب مساحة ‏السرادق ونوعية الكراسي المطلوبة . وأوضح في تصريحات صحفية ” ‏سعر السجادة تصل إلى 50 جنيه حسب حالة السجاد، وسعر الكرسى ‏الجلد 100 جنيه، والكرسى العادة يبدأ من 5 جنيهات ويصل إلى 40 ‏جنيه، وسعر الكرسى المطلى بالذهب والمخصص لقارئ القرآن الكريم ‏يبدأ من 750 جنيه وحتى 1500 جنيه “.‏

والذي يرفع تكاليف العزاء ، الأسعار المبالغ فيها للمشاهير من قراء ‏القرآن الكريم والذي يتم الإتفاق معهم من باب المباهاة ” الفشخرة ” . ‏ويقول الشيخ محمد حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية في تصريحات ‏منشورة :” أن بعض قراء القرآن الكريم يحصلون الآن على أجور باهظة ‏تصل إلى 50 و100 ألف جنيه “. ويصطحب القارئ الشهير معه في كل ‏عزاء شلة من “الهتيفة” بعضهم متطوع وأخرين بأجر. ومهمتهم الهتاف ‏له بصوت عال بعد كل آية يقرأها، ويطلبون الإعادة ‏.

وأوضح الشيخ حشاد أنه ناشد الأهالى أكثر من مرة بعدم الإسراف فى ‏سرادقات العزاء قائلا :” بعض السرادقات تصل تكلفتها إلى 150 ألف ‏جنيه بالذبائح التى قد يذبحها أهل المتوفى للمعزين ، وهذه الأموال يكون ‏أبناء المتوفى لا سيما القصر أولى بها لتعينهم على أعباء الحياة من بعده ‏‏”.‏

ساهم وباء كورونا الى الحد مؤقتا من مهرجانات العزاء ، ولكنها سرعان ‏ما تعود مع تراجع الوباء . وأرى ان الوقت حان ليتدخل العقلاء والعلماء ‏والوجهاء لشرح مخاطر هذه الظاهرة على المجتمع وانها توسع هوة ‏الفرق بين الأغنياء والفقراء مما يهدد السلم المجتمعي. ويمكنهم الاستناد ‏في ذلك على الحكم الشرعي الصادر من دار الإفتاء على لسان الدكتور ‏مجدي عاشور، مستشار مفتي الجمهورية وهو : ” إقامة السرادقات لأجل ‏المباهاة والتفاخر، إسراف محرم شرعًا، وتشتد حرمته إذا تحمل القصر ‏من أهل الميت نصيبا من ذلك، أو كان أهل بيته في حاجة إليها”.‏

ولأن غالبية المصريين يتجاهلون الأحكام الشرعية أرى أن الحل العملي ‏يبدأ بتوقف الأثرياء والوجهاء في القرى والمدن عن هذه الظاهرة ‏المؤسفة وسرعان ما يقلدهم الفقراء ثم تستقيم الأوضاع .‏

Aboalaa_n@yahoo.com

شاهد أيضاً

سمير رجب يكتب.. ترامب والحوثيين

لقد توقعت وأحسب أن كثيرين وافقوني على توقعي أن يبدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *