يبدو أن جمهورية تلبانة، ذلك الكيان شبه المستقل في قلب محافظة الدقهلية، قد أعلنت استقلالها دون مراسم دبلوماسية أو بيان رسمي. فها هي تمارس كامل حقوق السيادة: ضجيج داخلي لا يتوقف، وهرج ومرج وطني الطابع، ودستور صوتي تحكمه مكبرات الصوت، ودبابات مدنية بأربع عجلات تُدعى “توك توك”، تجوب الشوارع بشراسة لا تهاب مساءً ولا فجراً.
منذ أن تسلّم سعادة المحافظ مقاليد الحكم، وتوّج جولاته التفقدية اليومية بقلادة الأمل على صدور المواطنين، استبشرنا خيرًا. قلنا: ها قد جاء الفارس المنتظر. وها هي عدالة الميدان ستُوزّع على الجميع. لكن شيئًا ما حدث… شيء ما شبيه بثقب أسود ابتلع اسم “تلبانة” من على خريطة الجولات. وكأن القرية اختارت، بمحض إرادتها، الهجرة إلى شمال أوروبا، فباتت أقرب إلى ضواحي أوسلو منها إلى المنصورة…!
…نحن لا نطلب الكثير، فقط زيارة ميدانية بعد الثامنة مساءً، حين تبدأ الحياة الثانية لتلبانة. حين تتحوّل الشوارع إلى مدرجات طائرات، والدراجات النارية إلى مقاتلات انتحارية، والصوت إلى سلاح دمار شامل. نريده فقط أن يسمع – لا أن يرى – كيف يبدو الصخب حين يتحول إلى نظام حكم…!
..لكن يبدو أن أجهزة الدولة، بكل طاقتها وخرائطها، نسيت أن تلبانة موجودة. أو لعلها تتصورها منفىً صوفيًا في جبال التبت، أو محمية صوتية طبيعية خاضعة لاتفاقية كيوتو.
أما السادة النواب، ممثلو الجمهورية الجديدة في تلبانة
، فهم كأمراء إقطاع في عصر الظلام: لا يسمعون، لا يتكلمون، إلا في موسم الحصاد الانتخابي. يخشون على أصواتهم من الضياع، فتراهم يختبئون في الزوايا، يتنفسون بحذر، ويجيدون فن الإنصات إلى اللاشيء.
كان لنا سياسي حكيم يُدعى محمد عقل، رحمه الله. كان يجلس معنا تحت شجرة المعرفة، يحدّثنا عن الوطن، عن قيمة الأمن، عن معنى أن تكون مواطنًا لا مجرد صوت في صندوق. واليوم، لا شجرة، ولا ظل، ولا عقل.
ربما، فقط ربما، يحتاج سعادة المحافظ إلى خرائط جوجل محدثة. وربما يمرّ صديقًا عبر شوارعنا ليقول له: “هنا جمهورية تلبانة يا فندم. دولة تعاني من حرب أهلية صوتية، واحتلال غير رسمي من مركبات عشوائية، وانهيار تام لمفهوم الليل.”
نحن لا نطلب إغاثة عاجلة من الأمم المتحدة، فقط زيارة ليلية. لعلها تفتح نافذة إصغاء في جدار صمت الإدارات. لعلها توقظ ذمة المسؤول الغافية منذ آخر انتخابات.
سيدي المحافظ، تعال. تعال واسمع. تعال دون حاشية أو كاميرا أو ترتيب أمني. تعال فقط بسمعك وعدلك. فنحن هنا، لا نزال نؤمن أن من حق الإنسان أن ينام. لا أكثر.،
–محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية..,,
saadadham976@gmail.com










